شُعراء يرسُمون حدُود الوطَن «2».. الشاعرُ ياسر آل غريب
الشاعرُ ياسر آل غَريب رسم في قصائِده حدوداً للوطن، فهو أكثرُ من مجرد كلمةٍ تطلقها المشاعرُ وتحتفي بها القصائِد، إنها روح تطيرُ وتعشق وتُغامِر، إنها الذاتُ والآخر، الصحراءُ والموج، اليابسةُ والسفينة، يقولُ في قصيدةِ «الوطن المشتهى»:
"رسمتُكَ في خاطري لوحةً
كلّما صافحتني النخيلُ
وأوحَتْ إليَّ ورودُ الخزامى
ويصحو فؤادُ الهوى..
كلّما حدثتني عيونُ المها"
ليكملَ بعدها في قصيدةِ «منمنمة وطن» رسمَ حدود وطنه، فيعودُ إلى الذاكرة ويستعيدُ مشاعر الانتماءِ للتاريخ، ليرى نفسه في كلِّ التفاصيل:
"وطني مساحةُ أمنياتٍ ثَرَّةٍ ** تجري جُزيئاتُ الخلودِ خِلَالَهُ
وكأنَّ «زرقاءَ اليمامةِ» أبصرَتْ ** عن بُعْدِ آلافِ السنين مَجَالَهُ
قلبٌ عليهِ الشاطئانِ تَوَحَّدَا **وجنوبُهُ أهدى الإخاءَ شَمَالَهُ
هُوَ واحدٌ؛ لكنَّهُ مُتَعَدِّدٌ ** وَهَبَ الجميعَ ضياءَهُ وظِلَالَهُ
أنا بعضُهُ، والبعضُ يعشقُ كلَّهُ ** مادامَ يحتضنُ الكثيبُ غَزَالَهُ"
الامتزاجُ والتواصل بين جهاتِ الوطن يُلغي الفوارق بينَها، فبين الجنوبِ والشمال إخاءٌ ومحبة، وبين النَّهام والحدَّاء تشابه وتلاقِي في الدور والوظِيفة، يقول في ختامِ القصيدة:
"من هاهنا ارتفعَ الأذانُ إلى المدى ** يا للصَّفاءِ، وما أجَلَّ «بِلَالَ» هُ
ما قالَهُ «النَّهَّامُ» فوقَ سفينةٍ ** ما قالَهُ «الحادي» يسوقُ جَمَالَهُ
وكلاهُمَا غنَّى لأروعِ موطنٍ ** كم أصبحَا يستعذبانِ وصالَهُ"
يتَّجه ياسر آل غَريب إلى تحديدِ أبعاد الوطنِ عبر ربطهِ بالذات، فالوطنُ هو الذات والذاتُ هي الوطن، وكما يختارُ الإنسان أصدقاءَه ومكان سُكناه كذلك يختار وطنهُ وانتماءه، فهو هُنا انتماءٌ نفسي قبل أنْ يكون أيَّ شيءٍ آخر، يقول في قصيدةِ «وطن حتى السماء»:
"لبست تضاريس البلاد كأنني ** تخيرت من كل الأماكن أبعادي
فلي شهقة الصحراء لي ذروة العلا ** وسيرة أمواج وترتيلة الوادي
ولي لحظة من أجمل الحب عشتها ** إذا عانق الريحان إضمامة الكادي"
يؤكِّد أيضاً على الانتماءِ النفسي في قصيدةِ «وطن مضارع»، فينطلقُ من الذاتِ إلى الوطن، ومن الوطنِ إلى الذات، حتَّى يستحيل الفصلُ بينهما:
"وطني أنا.. لاشيءَ يفصلُ بيننا ** نادمْتُهُ السِّرَّ المخبأَ في السَّنا
أنا صوتُهُ الممتدُّ من مهدِ الصِّبا ** حتى مَجَرَّاتِ الرغائبِ والمنى"
إلى أنْ يقول في مقطعٍ لاحق مبيِّناً حدود التلاقِي بينه وبينَ وطنه:
"مازلتَ يا وطني رحيقَ بياني ** وعقيدةً خضراءَ وسط َجَناني
وطبيعةُ الأوطان أنَّ ترابَها ** متعطر بشمائل الإنسان"
بينَ الشاعر ياسر آل غَريب ووطنه حالةٌ من التلاقِي، حيث الوطنُ والذات شيءٌ واحد، إذ يمتدُّ من أقصَى الجنوب إلى أقصَى الشمال، ومن أغَاني السفينة والنَّهام إلى حُدَاء القوافل والصَّحراء، فهذا التلاقِي هو ما يصنعُ الوطن ويؤسِّس للانتماء.

















