آخر تحديث: 27 / 2 / 2026م - 12:44 ص

مفاتيح العلاقة الزوجية‎

ياسين آل خليل

إذا كان التأهيل قبل الزواج ضرورة، فإن السؤال الأهم يبقى.. ما الذي ينبغي أن يتعلمه الشاب والشابة تحديدًا..؟ فالكلمات العامة عن ”الحقوق والواجبات“ لم تعد كافية، والوعظ المجرد لا يصنع مهارة، والحماس وحده لا يبني بيت الزوجية. والزواج ليس اختبار نوايا كما يظنه البعض، بقدر ما هو اختبار نضج. ومن يدخل إليه دون أدوات، سيكتشف سريعًا أن حسن النيّة لا يعوّض ضَعف الاستعداد.

أغلب البيوت لا تنهار بسبب غياب المودة، بل بسبب سوء إدارة الخلاف. لذلك ينبغي أن يتعلم الطرفان أن الاختلاف طبيعي، وأن ارتفاع الصوت لا يحسم النقاش، وأن الانسحاب الدائم ليس حلًا. مهارة الحوار، وضبط الانفعال، وتأجيل النقاش حتى تهدأ النفوس، كلها مهارات أساسية لا تُكتسب تلقائيًا، بل بالتدريب والوعي.

كثيرةٌ هي الخلافات بين الزوجين الحديثي الارتباط، ومعظمها لا تولد من سوء نية، بل من اختلافٍ في طريقة الفهم والتعبير. ما يراه أحدهما جفاءً قد يكون أسلوبًا هادئًا في التعامل، وما يُفسَّر على أنه إهمال قد يكون ضغطًا أو انشغالًا لم يُحسن صاحبه شرحه. إدراك أن لكلٍّ من الزوجين لغةً خاصة في التفكير والتعبير هو الخطوة الأولى نحو شراكة ناضجة. حين يتعامل الزوجان مع المواقف بفضول الفهم لا بسرعة الحكم، تتحول لحظات التوتر إلى فرص يتعرّف من خلالها الطرفان على بعضهما بشكل أوضح وأعمق.

لذلك على كلا الطرفين أن يسألا قبل أن يفترضا، وأن يوضّحا قبل أن يعاتبا، وأن يتذكّرا أنهما في فريقٍ واحد لا في ساحة مواجهة. بهذا الوعي تُصغَّر المشكلات، وتُبنى جسورٌ من الثقة تحمي العلاقة من كل ما يمكنه أن يضخّم التفاصيل الصغيرة.

ينبغي أن يُدرَّب المقبلون على الزواج على تخفيض سقف المثالية. لأنه لا يوجد هناك من شريك كامل، ولا حياة خالية من الملل أو التعب. من يدخل الزواج باحثًا عن سعادة دائمة سيصطدم حتمًا بحقيقة الإنسان. أما من يدخله بعقلٍ يتوقع فيه أن العلاقة الزوجية هي اقتران يعتريه المدّ والجزر، من البديهي أن يتعامل مع أي فتور في العلاقة على أنه مرحلة طبيعية يمر بها الجميع، وأنها ليست نهاية.

المال من أكثر أسباب التوتر شيوعًا. ومع ذلك، نادرًا ما يناقش الطرفان بوضوح رؤيتهما للإنفاق، والادخار. الشفافية المالية، والاتفاق المسبق على الأولويات، يجنبان الطرفين كثيرًا من الاحتكاكات التي تبدأ صغيرة وتنتهي بعواقب وخيمة.

من الأهمية بمكان أن نعي أن العلاقة الزوجية لا تنمو في ظل تدخل دائم من الخارج. من الضروري الاتفاق مبكرًا على مساحة الخصوصية، وعلى آلية التعامل مع الخلافات دون استدعاء أطراف تزيد الأمر تعقيدًا. الأسرة سند، لكنها لا ينبغي أن تكون ساحة إدارة يومية للزواج. أخطر ما يفتك بالعلاقات هو الإصرار على الصواب. القدرة على الاعتذار، والاعتراف بالخطأ، ومراجعة الذات، ليست ضعفًا كما يظنه البعض بل هو كمال النضج.

إن تعليم هذه المحاور ليس بحاجة إلى التنظير، بل إلى برامج عملية، وورش تدريبية، ونماذج واقعية، ومصارحة صادقة. فالتأهيل الحقيقي لا يمنح المعلومة، بقدر ما يُعيد تشكيل طريقة التفكير. وإذا أردنا أن نقلّص من فجوات التوقعات، فعلينا أن نُخرج الزواج من دائرة العاطفة وحدها، وندخله في دائرة المهارة والمسؤولية. فالميثاق لا يُصان بالمشاعر وحدها، بل بالوعي بصغائر الأمور.