ميادين تهذيب حياتية
من المخاطر والآفات الفكرية التي تداهم الإنسان هي الغفلة عن إصلاح نفسه ومعالجة العيوب والأخطاء المُرتكَبة، فمع المعرفة بنفسه وبما يقصّر فيه ولكنه يسوّف ويؤجل من مرحلة زمنية إلى أخرى، والسبب في ذلك هو عدم تحمل مسئولية الاستحقاقات وتصحيح الأخطاء، ومن صور المكر الشيطاني على العاصي وقطع طريق العودة إلى الرحمة والمغفرة الإلهية عليه تأجيل التوبة، يزيّن له ارتكاب الذنوب والالتذاذ بإشباع شهواته دون رادع عنها، ويغيب عنه - لجهالته - أن الأعمار لا يملك ضمانا بالبقاء فكيف له أن يؤجل مراجعة مسيره وسجل أعماله قبل الرحيل المفاجئ؟!
الحقيقة التي لا مفرّ منها أن الآجال لا تستأذن من أحد ولا ينبغي الانشغال بحلولها ما دامت يقينية وقهرية «و قهر عباده بالموت والفناء»، وإنما ينبغي الاهتمام بعمارة الأوقات بأعمال الخير والمعروف والطاعة واستثمار ساعاته وأيامه بما يُراكم رصيده الأخروي من الأعمال، فكم من إنسان كان يُخطّط لشهر رمضان القادم فلم يدركه! وكم من شخص كان يظن أن أمامه متّسعا من الوقت ففاجأه الرحيل!
إن استحضار هذه الحقيقة لا يُراد منه إثارة الخوف السلبي والعيش تحت ضغط القلق المستمر من فكرة الرحيل، بل المراد التعامل معها بروح المسئولية والوعي بعيدا عن اللهث خلف سراب مظاهر الدنيا الخدّاعة، فإذا أدرك الإنسان قيمة الوقت والعمر المحدّد له فهو رأس ماله الحقيقي والثمين، انطلق في ميادين الحياة بوعي وبصيرة فكان أحرص الناس على كل لحظة ليحوّلها إلى مغانم ومكتسبات، كما أن تلك الآفات الأخلاقية وعوامل هدر الوقت ستكون واضحة له ويتجاوزها بإرادة صلبة واقتدار، فالحياة مواجهات متعددة يحتاج فيها الإنسان إلى كل لحظة ليتقن عمله وطموحاته.
يستعد لهذا الموسم ليتحصّل منه على مكتسبات ومضامين روحية وأخلاقية تتكامل من خلالها شخصيته؛ ليغدو بعدها متحلّيا بوعي ونضج أكبر يستوعب مختلف محطات حياته، وينظر للواقع بأنه امتداد زماني عليه أن يغتنمه ويحوّله إلى ساحة طاعة وجهاد للنفس، فليس المقصود من شهر رمضان أن تتكاثر الأفعال في ظاهرها فحسب بل أن تتعمّق حقيقتها في الباطن، فليست العبرة بكثرة الركعات ولا بطول الأدعية ولا بتعدد الختمات وإنما بمدى التحول الذي يحدثه ذلك في بنية القلب ووعي الإنسان بذاته وربه، فشهر رمضان مدرسة تربية إيمانية تصقل النفس وتهذّبها من شوائب الشهوات والأهواء، فزيادة الأعمال من دون ارتقاء في نوعية الإيمان قد تُنتج تعبا جسديا لا أثر له في البناء الروحي، أما الارتقاء في نوعية الإيمان فهو انتقال من العادة إلى الحضور وتعميق الصلة بالله تعالى بحيث تصبح العبادة لقاء لا عادة.
وأما عمق اليقين فهو الثمرة الكبرى للصيام إذ بالصوم تقوى بصيرة الروح ويتحرّر القلب من ضجيج الشهوات، فاليقين حالة اطمئنان داخلي تجعل العبد ثابتا عند الفتن ومطمئنا عند التقلبات وراضيا بتدبير الله تعالى في كل الأحوال.

















