آخر تحديث: 24 / 2 / 2026م - 10:31 م

الرقابة وحدها لا تكفي

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن

يقول الخبر إن وزارة التجارة نفذت قبل أيام 30,476 زيارة رقابية ووقائية، إضافة إلى 6,896 زيارة رصد تمويني على المنشآت التجارية في مختلف مناطق المملكة خلال الشهرين الماضيين، لمتابعة وفرة السلع الأساسية والتحقق من التزام المنشآت بالأنظمة، وذلك ضمن خطتها لموسم رمضان والعمرة لعام 1447. رقم كبير يعكس جهدًا ميدانيًا واضحًا، ويؤكد حضورًا رقابيًا مكثفًا لضبط السوق ومتابعة التزام المنشآت.

لكن خلف هذه الأرقام يبرز سؤال أبعد من مجرد عدد الجولات: هل تكفي الرقابة الميدانية وحدها لمعالجة جوهر الخلل في بعض الأنشطة التجارية، أم أن ما يظهر على الواجهة لا يكشف دائمًا ما يجري في العمق؟ الحقيقة أن التحدي الذي يتحدث عنه كثير من العاملين في السوق لا يرتبط فقط بالمخالفات الظاهرة مثل الأسعار أو العروض، بل بطبيعة بعض نماذج التشغيل نفسها، حيث تبقى قضية التستر التجاري واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا، لأنها في كثير من الأحيان لا تبدو مخالفة مباشرة، بل نشاطًا نظاميًا في الشكل، مختلفًا في جوهره الاقتصادي.

لفهم الصورة ببساطة، قد يكون النشاط باسم سعودي وملتزمًا بالرسوم والاشتراطات، لكن الإدارة الفعلية والقرار المالي والأرباح تكون لطرف آخر، بينما يكتفي صاحب الاسم بدور شكلي فقط. هنا لا يرى المستهلك مخالفة واضحة، ولا تكتشفها بسهولة جولة ميدانية، لكن حقيقة النشاط تختلف عن صورته النظامية، وهذه هي المنطقة التي تجعل التستر أكثر تعقيدًا من مجرد مخالفة تُضبط في زيارة تفتيش.

المشكلة ليست في وجود العمالة الأجنبية، فهذا جزء طبيعي من أي اقتصاد، بل في انتقال القرار الاقتصادي الفعلي من المالك النظامي إلى طرف آخر، بحيث تصبح الملكية شكلية فقط. وعندما يحدث ذلك، تتغير قواعد المنافسة، لأن السوق لا يعود قائمًا فقط على الكفاءة، بل على نماذج تشغيل مختلفة في طبيعتها.

الدفع النقدي لا يعني وجود تستر، لكنه أقل شفافية من الدفع الإلكتروني الذي يوضح حركة المبيعات بشكل أدق.

التاجر الملتزم لا يقلقه وجود منافس، فالمنافسة جزء صحي من أي سوق، لكنه يشعر بالقلق عندما تصبح شروط المنافسة غير متكافئة. فالمسألة ليست في الرسوم الحكومية أو الاشتراطات الصحية، فهذه أصبحت إلزامية على الجميع، بل في طبيعة الإدارة الفعلية للنشاط ومن يتحكم بالقرار الاقتصادي فيه.

الجهود الحكومية خلال السنوات الماضية في مكافحة التستر كانت واضحة، وشهد السوق تطورًا كبيرًا في مستوى الامتثال والرقابة الرقمية، لكن طبيعة الظاهرة نفسها أصبحت أكثر تعقيدًا، بحيث لم تعد تظهر بالأساليب التقليدية، بل في نماذج تشغيل تبدو نظامية ظاهريًا لكنها تختلف في جوهرها الاقتصادي.

في النهاية، كثرة الجولات مؤشر على الجدية، لكنها لا تكفي وحدها لتنظيم السوق ما لم تُعالج جذور الخلل من خلال تطوير أدوات الرقابة وتعزيز الشفافية ومعرفة المستفيد الحقيقي من النشاط. فالسوق لا يحتاج فقط إلى متابعة مستمرة، بل إلى بيئة واضحة الملكية، عادلة الفرص، وقواعد تطبق على الجميع، وعندها فقط تتحول الرقابة من إجراء موسمي إلى استقرار اقتصادي يشعر به كل من يعمل داخل السوق.