حوكمة العفو الملكي: ما بعد إسقاط الحق العام
في هذا الشهر الفضيل، ومع نفحات اليوم السادس من رمضان لعام 1447 هـ، تجلت مجدداً أسمى معاني الأبوة والرحمة بصدور التوجيهات الكريمة من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله - بالبدء في تنفيذ إجراءات العفو عن النزلاء والنزيلات المحكومين في قضايا الحق العام. إن هذا القرار السيادي النبيل هو تجسيد حي لسياسة جنائية وإصلاحية حكيمة، تضع بناء الإنسان نصب عينيها، وتمنح المخطئ فرصة ذهبية لطي صفحة الماضي والعودة كعنصر فاعل في بناء مجتمعه ووطنه.
وبصفتي محامياً ومراقباً للمشهد العدلي، أجد لزاماً عليّ من خلال هذا المنبر أن أوجه رسالة من القلب إلى أسر النزلاء وذويهم، لتسليط الضوء على كيفية الاستفادة المثلى من هذه المكرمة الملكية لتكون خطوة حقيقية نحو الاستقرار. بادئ ذي بدء، يجب أن نعي تماماً أن العفو الملكي الكريم ينصبّ حصراً على ”الحق العام“، أي حق الدولة والمجتمع في إيقاع العقوبة القانونية. أما ”الحق الخاص“ المرتبط بحقوق الأفراد والمطالبات المالية، فيبقى قائماً ومحفوظاً، ولا يسقط بموجب هذا العفو إلا بصلح أو تنازل شرعي صريح من أصحاب الحقوق. لذا، فإن الخطوة الأولى والجوهرية لأهالي النزلاء هي المسارعة في تسوية النزاعات الخاصة وإنهائها - إن وجدت - لضمان عدم تعثر الإفراج عن ذويهم بعد سقوط الحق العام عنهم.
ومن نعم الله تعالى في عصرنا الحالي، وفي ظل الرؤية الطموحة، أن الإجراءات للعفو الملكي الكريم شفافة بالكامل وتتم تلقائيا عن طريق اللجان المختصة، فليس ذوو النزيل بحاجة لتكبد عناء المراجعات الورقية المعقدة في أروقة الجهات الرسمية بل يمكن للأهالي اليوم بكل يسر وسهولة متابعة حالة النزيل أو تقديم طلب الاسترحام وشمول العفو عبر المنصات الحكومية الرسمية، وعلى رأسها منصة ”أبشر“ «خدمات الأفراد»، أو عبر البوابات الإلكترونية لإمارات المناطق كل ما يتطلبه الأمر هو تسجيل الدخول الآمن، وتعبئة البيانات المطلوبة إلكترونياً، ليتم تحويل الطلب فوراً ومراجعته من قبل لجان العفو المشتركة التي تباشر عملها على مدار الساعة لضمان سرعة الإنجاز.
ولكن، من الأهمية بمكان التنويه إلى أن هذا العفو الكريم تحكمه ضوابط دقيقة؛ فهو يستثني بطبيعة الحال الجرائم الكبرى والمحددة نظاماً والتي تشكل خطراً على استقرار المجتمع والجرائم التي تقام عليها الحدود الشرعية. كما يشترط لشمول النزيل بهذا العفو أن يكون قد التزم التزاماً تاماً بحسن السيرة والسلوك خلال فترة إيقافه أو محكوميته، وألا يكون من المعتادين على تكرار الجرائم «العود الجرمي»، وهو ما يعكس استعداده الحقيقي والصادق للاندماج السوي مجدداً.
وأخيراً، لا ينتهي المطاف بمجرد خروج النزيل من أسوار السجن، بل تبدأ هنا مرحلة ”الرعاية اللاحقة“ وإعادة الدمج. وهنا يبرز الدور العظيم الذي تقوم به اللجنة الوطنية لرعاية السجناء والمفرج عنهم وأسرهم ”تراحم“، والتي تعمل كشبكة أمان اجتماعي وتنموي متكاملة، تقدم الدعم المادي لسداد الإيجارات وتوفير الاحتياجات الأساسية، فضلاً عن توفير البرامج التدريبية والتمكينية للمفرج عنهم ولأسرهم، لضمان استقلالهم المالي وعدم عودتهم لمزالق الماضي.
إن صدور العفو الملكي في هذه الأيام المباركة هو رسالة مجتمعية سامية تدعونا جميعاً، أفراداً ومؤسسات، لاحتضان هؤلاء العائدين إلى طريق الصواب. فلنجعل من هذه المكرمة الملكية نقطة انطلاق حقيقية نحو حياة تملؤها الاستقامة، والعمل الجاد، والأمل المتجدد.

















