آخر تحديث: 23 / 2 / 2026م - 1:23 ص

كيف تتقدم المجتمعات بالسعي للمكانة؟

الدكتور مصطفى المزعل * صحيفة مال

يسعى الفرد لنيل مكانة وسط مجتمعه، كما تسعى الجماعات لجعل أوطانها في مكانة رفيعة ضمن بقية الأمم، وهذا السعي للمكانة يعده الباحثون في العلوم الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والسلوكية، حاجة بشرية، وطريقًا محوريّا للحصول على التقدير الذي يبحث عنه الإنسان،  فنحن نسعى لكسب الجوائز، والترقيات، والمؤهلات العلمية وغيرها رغبة في الارتقاء في سلم المكانة، وبالرغم من كون الحاجة للمكانة طبيعة بشرية، إلا أنه يصعب علينا الاعتراف بها، حيث قد يكون في ذلك إشارة غير مباشرة إلى أننا أقل من الآخرين، وقد يقودنا الاعتراف مع أنفسنا بذلك، بالشعور بالنقص، هكذا مهّد الكاتب ول ستور لكتابه «لعبة المكانة» [1] .

 تشير دراسة أجريت على 60 ألف شخص في 123 بلدًا إلى أن ”رفاهية الناس تعتمد اعتمادًا ثابتًا ومنتظمًا على الدرجة التي يشعرون بها باحترام الآخرين لهم“ [2] ، على النقيض من ذلك، كشفت أدبيات علمية متعددة أن "شعور المرء بتدني مكانته موازنة بالآخرين يرتبط ارتباطًا دائمًا بارتفاع أعراض الاكتئاب [3] . كما يشير الباحثون إلى أن المكانة حاجة غير قابلة للإشباع عمليّا، وهي تحت وطأة التهديد دائمًا وأبدًا، حيث يمنحها أو ينتزعها منا الآخرون، لذلك فالسعي للمكانة مستمر وفي تزايد.

فكيف يحصل المرء على المكانة؟ تتلخص أبرز أنواع السعي للمكانة في ثلاث ألعاب مكانة هي: الهيمنة، والفضيلة، والنجاح، حيث تُنتزع المكانة في لعبة الهيمنة بالقوة والسطوة كما في الجيوش والمنظمات العسكرية، وتُمنح في لعبة الفضيلة بالاستقامة والنزاهة والخُلق الطيب كما في المؤسسات الدينية، وتُكتسب في لعبة النجاح كما نرى في التفوق العلمي، أو المالي، أو الرياضي، وغير ذلك.

هذا السعي للمكانة وبالأخص في لعبة النجاح، يجب أن يُجيّر لصالح التنمية على مستوى الفرد، ونهضة المجتمعات. شهدت بلاد مثل بريطانيا تاريخيّا تحولًا تدريجيّا مع انطلاق الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، جعل سلطة ومكانة النجاح تتجاوز سلطة الفضيلة، فاكتسب المبتكرون والمخترعون والحرفيّون شهرةً ومالًا، وارتقوا في سلم المكانة [1] .

أنشأ ”اللاعبون“ في بريطانيا مساحات خاصة بتخصصاتهم، كالنوادي والمنتديات الحوارية في المقاهي وغيرها، وأسسوا منظمات ثقافية تُعنى بتحصيل المعارف الجديدة ونشرها، وارتفع عددها من حوالي الخمسين منظمة في عام 1750 م إلى حوالي الألف وخمسمائة في العام 1850 م، وكان من أبرز هذه المنظمات «جمعية تنمية الفنون والصناعات والتجارة» التي حفّزت أعضاءها على حل المشكلات وابتكار ما يسهّل حياة الناس ويرفع من جودة حياتهم، وما تزال هذه الجمعية موجودة حتى يومنا هذا بمسمى «الجمعية الملكية للفنون» [1] ، تمثلت المساهمة الأبرز للجمعية في الارتقاء بمنزلة الاختراع ومنحه المكانة المرموقة [4] ، وبالتالي نتج عن سعي الناس لكسب الاحترام والتقدير تلبية لحاجتهم البشرية، حراك علمي وتقدم معرفي، فأضحت تلك الجمعيات المانحة للمكانة، مكامن للابتكار، كل ذلك قاد الباحثين لملاحظة مفادها أن ازدياد عدد الجمعيات في أي منطقة، أثمر عن ارتفاع في عدد براءات الاختراع.

التنمية لا تتحقق بشكل فردي، إنما تتحقق بتضافر الجهود المؤسسية التي تمارس لعبة ”مكانة النجاح“، وعْيُنا بهذه الحاجة البشرية وديناميكية عملها، يضع على عاتقنا مسؤولية توجيه بوصلة المكانة المرموقة لما يعود بالنفع علينا وعلى تقدم مجتمعنا، فهل نصنع المكانة والمقام الرفيع لمن يُسهّل حياة البشر ويرفع من جودة حياتهم، أم نصنعها لمن لا يستحقها، ونُصدّره للصفوف الأولى، فتنشأ لدينا تراتبية وأوليات مجتمعية لا تتواءم مع متطلبات نهضة الأمم وتقدمها.

تأسيس الجمعيات والقيام بمبادرات كتكريم الطلبة المتفوقين على سبيل المثال، له عظيم الأثر في نفوس المكرمين، وحافز لغيرهم، حينما يرون التقدير والاحترام والإشادة التي يتلقاها الطلبة المحتفى بهم، فالتكريم  ليس بترف ومظهر من مظاهر البذخ، ولا ينبغي أن يُنظر له كأمر مستحب، بل هو عامل من عوامل صناعة ألعاب المكانة ذات القيمة والنفع، وبالإمكان الاستثمار في صناعة وهندسة ألعاب ”مكانة النجاح“ لأي مجال بنفس النهج، إذا ما عرفنا قواعد اللعبة.

[1]  W. Storr, The status game. London, England: William Collins, 2022.

[2]  C. Anderson, J. A. D. Hildreth, and L. Howland, ”Is the desire for status a fundamental human motive? A review of the empirical literature,“ Psychol. Bull., vol. 141, no. 3, pp. 574-601, May 2015.

[3]  K. Wetherall, K. A. Robb, and R. C. O’Connor, ”Social rank theory of depression: A systematic review of self-perceptions of social rank and their relationship with depressive symptoms and suicide risk,“ J. Affect. Disord., vol. 246, pp. 300-319, Mar. 2019.

[4]  J. Dowey, ”Mind over matter: access to knowledge and the British industrial revolution,“ ResearchGate, Jan. 2017, Accessed: Feb. 07,2026.
دكتوراه الإدارة الهندسية التكنولوجية