بين نور التذكير وضجيج التكرار
مع حلول شهر رمضان المبارك، يفيض الفضاء الرقمي برسائل دينية، ومقاطع وعظية، وأدعية تتنقّل بين الناس كما لو كانت طقوسًا موازية للصيام والقيام. تتسلل هذه الرسائل إلى هواتفنا مع أول ليلة من الشهر؛ بعضها يحمل دفئًا روحيًا يلامس القلب، وبعضها يمرّ مرور العابرين، لا يترك أثرًا سوى إشعار جديد على الشاشة.
ولا يمكن إنكار أن كثيرًا من هذه الرسائل تنبع من رغبة صادقة في التذكير بالخير، وإحياء روحانية الشهر، وتقوية الروابط بين الناس. ففي زمن تتسارع فيه الأيام وتزدحم فيه الانشغالات، يصبح هذا النوع من التواصل نسمة لطيفة تعيد ترتيب الداخل، وتذكّرنا بأن رمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل فرصة للتقارب والتراحم.
لكن الوجه الآخر لهذه الظاهرة لا يغيب عن أحد. فحين تتحول الرسالة إلى عبء، يصبح التكرار المفرط، والنسخ المتداولة بلا تمحيص، والرسائل التي تُرسل بدافع العادة لا بدافع المعنى، مصدرًا للضجيج الرقمي الذي يثقل على المتلقي بدل أن يضيء قلبه. بل إن بعض الرسائل قد تحمل مبالغات أو معلومات غير دقيقة، أو تُرفق بعبارات توحي بأن إعادة الإرسال شرط لنيل الأجر، وكأن الخير يُقاس بعدد مرات تدوير النص.
ورغم هذا التباين، تبقى الحقيقة أن معظم هذه الرسائل تنطلق من نوايا طيبة. والنية، حين تكون صافية، تُخفّف من وطأة الأخطاء، وتمنح الفعل بُعدًا إنسانيًا يتجاوز الشكل إلى الجوهر. فالخير، وإن تعثّر في الطريق، يصل في النهاية إلى مكان ما. وربما تكفي رسالة واحدة صادقة - وسط آلاف الرسائل - لتكون سببًا في هداية قلب، أو رفع معنويات شخص، أو إشعال شرارة أمل في صدر أثقلته الأيام.
وفي نهاية المطاف، تبقى الكلمة الطيبة هي ما يمنح هذه الرسائل قيمتها الحقيقية. ليست في عددها، ولا في سرعة انتشارها، بل في صدق النية التي خرجت منها، وفي الأثر الذي تتركه حين تصل إلى قلب كان بحاجة إلى لمسة نور. وقد ضرب الله تعالى مثلاً بليغًا لقيمة الكلمة فقال:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: 24].
لتبقى الكلمة الصادقة - مهما بدت بسيطة - قادرة على أن تمتد جذورها في الأعماق، وترتفع بثمارها إلى حيث لا نرى.
وهكذا، بين ضجيج التكرار ونور التذكير، يظل رمضان مساحة رحبة تتجاور فيها النوايا، وتتفاوت فيها الأساليب، لكن يبقى أثر الخير حاضرًا. فربما رسالة واحدة تُرسل بمحبة تصل في اللحظة المناسبة، فتُحيي قلبًا أرهقه الطريق، وتعيد إليه شيئًا من سلام هذا الشهر المبارك.
















