آخر تحديث: 23 / 2 / 2026م - 1:23 ص

ما قبل عملية ”التدريب العملي لرؤية طموحة“

رائد بن محمد آل شهاب

قبل أن أخوض في السلسلة المترابطة بالموضوع الذي نُشر سابقًا ”التدريب العملي لرؤية طموحة“، لفت انتباهي مقالان، الأول يتحدث عن التشجيع الجميل بنشر فكرتك دون أي تردد، حيث استخدم الكاتب عبارة ”اصدع بكلمتك وانشر فكرك فنجاحك حينما ينتقدك الناقدون“.

والثاني، كانت لديه رسالتان للمهتمين بالشأن الاجتماعي، الذي تحدث بعدم الاكتفاء بتقديم عدد هائل من المقترحات والآراء النظرية بوسائل التواصل الاجتماعي، بل الانخراط العملي سواء في نادٍ أو جمعية خيرية.

أعتقد كلا المقالين رسالتان في بالغ الأهمية، فبدون الأفكار خاصةً ”المسجلة“ من كتب وغيرها من وسائل مكتوبة، ستواجه الأجيال القادمة صعوبة في تقديم ملاحظاتهم والتعديل عليها بما يناسب مع الزمن والمكان والميزانية المالية والقدرات... إلخ. ولذلك نجد كثيرًا من الدول المتقدمة لديها سجلات مكتوبة للرجوع إليها وبناء الملاحظات والتطوير. وكذلك، المقال الثاني، إذا لم تتوفر المبادرة الحقيقية والشجاعة على أخذ المسؤولية، ستكون جميع الأفكار المطروحة حبيسة الأدراج.

عند رجوعنا إلى الموضوع الذي نُشر سابقًا ”التدريب العملي لرؤية طموحة“، قد يقول البعض إن الأستاذ رائد بن محمد آل شهاب، بالغ في رؤيته خاصة في مشاريع النطاق الواسع ”Large Scale“ متأثر بعالم الخيال، مستوحى من فيلم أمريكي شهير ”Star Wars“ له أجزاء ضخمة.

على كل حال، كان تركيز المقال من جانب زاوية التدريب، الذي سيجلب اكتشافات ومواهب إخواني وأخواتي في المراحل الجامعية. وليس بالضرورة تنفيذ المشاريع على المدى القصير، قد يُعطى الضوء الأخضر للبدء بعد عدة عقود من الزمن.

في عالم المشاريع، هناك مرحلة تُدعى التصاميم الأولية ”Preliminary Designs“، جزء من هذه المرحلة يقوم بتحويل المفاهيم الواسعة إلى تخطيطات فنية وتقديرات التكلفة والمواصفات؛ وإنشاء وتحليل والتحقق من جدوى المشروع والمخاطر والمتطلبات الوظيفية، والقائمة تطول، وهذا كله فقط يضمن أن المشروع جاهز للتصميم التفصيلي والميزانية النهائية.

فأي مشروع سواء أكان صغيرًا أم كبيرًا، مهمًا أم بسيطًا، هناك بمفهومي الشخصي نقطتان رئيسيتان:

• هل الاحتياج في المدى القصير أو الطويل أو يحتاج إلى إعادة هيكلة؟

• هل هو حقيقي، ويمكن تنفيذه بما يتناسب مع الاحتياج والميزانية؟

على سبيل المثال، فقبل أوروبا، وقبل آسيا بزمن طويل، ابتكرت أمريكا مفهوم ”مركز المدينة“ العصري الحقيقي ”Modern Mega-City Downtown“، الذي يضمّ ناطحات سحاب شاهقة وفرص عمل وفيرة. وبينما تزخر أوروبا بالعديد من المدن العظيمة، تُعتبر مراكز المدن الأمريكية معاقل فريدة من نوعها من حيث الكثافة والحيوية، لا يُضاهيها اليوم إلاّ عدد محدود من المدن الآسيوية الكبرى.

لتقريب الصورة سوف أكتفي بثلاث مدن من بين خمس وخمسين مدينة مصنفة، تضمّ أكبر عدد من ناطحات السحاب وأكثر مراكز المدن حيوية بالولايات المتحدة الأمريكية:

• الفئة الأولى First, America’s Grade A Mega-Downtowns

رقم واحد: مدينة نيويورك، والتي تضم 6,548 مبانٍ عالية، وتوفر 1,927,000 وظيفة.

• الفئة الثانية Second, America’s Grade B Large Downtowns

رقم ثمانية: مدينة لوس أنجلوس، والتي تضم 629 مبانٍ عالية، وتوفر 164,000 وظيفة.

• الفئة الثالثة Third, America’s Grade C Mid-Sized Downtowns

رقم 31: مدينة كنساس، والتي تضم 170 مبانٍ عالية، وتوفر 39,000 وظيفة.

بالوقت الراهن، تشهد المناطق الحضرية انتعاشًا ملحوظًا. فبعد سنوات من الاضطرابات التي فرضتها جائحة كورونا، تعيد المدن، كبيرها وصغيرها، استثمار مواردها في مراكزها الحضرية، وتحديث بنيتها التحتية، وإعادة تصميم المساحات العامة، وإعادة تصور كيفية عيش الناس وعملهم وتجمعهم. ويعكس هذا التوجه تحولًا وطنيًا نحو أحياء متعددة الاستخدامات، صديقة للمشاة، تُعطي الأولوية للتجربة والتواصل المجتمعي على حساب التجارة البحتة.

سأذكر بعضها لأنها عديدة ولا أستطيع حصرها، في جنوب الولايات المتحدة، افتتحت أتلانتا مشروع ”سنتينيال ياردز“ Atlanta’s Centennial Yards, وهو مشروع إعادة تصميم بقيمة 5 مليارات دولار لمنطقة ”جولش“ Gulch السابقة، برجًا فاخرًا من 19 طابقًا يضم 304 شقق سكنية ومتاجر ومطاعم. يُشكّل هذا المشروع ركيزةً لجهودٍ أوسع نطاقًا لتحويل ساحات السكك الحديدية غير المُستغلة إلى منطقة متكاملة للعيش والعمل والترفيه تمتد على مساحة 50 فدانًا، وذلك استعدادًا لكأس العالم 2026.

في الوقت نفسه، حوّلت مدينة سان أنطونيو البنية التحتية للحماية من الفيضانات إلى وجهة فنية ومساحة خضراء مميزة، من خلال منتزه سان بيدرو كريك الثقافي، وهو عبارة عن ممر بطول 2.2 ميل يضم مناظر طبيعية محلية وجداريات ومسارات للمشي، ويتخلل وسط المدينة. يربط المنتزه بين الأحياء التاريخية والناشئة، ويمنح السكان أسبابًا جديدةً لقضاء أوقاتهم في قلب المدينة. تُجسّد هذه المشاريع مجتمعةً جوهر النهضة الجديدة لوسط المدن الأمريكية، إذ تُحوّل المساحات النفعية إلى مراكز نابضة بالحياة وشاملة، مصممة للحياة اليومية، لا لساعات العمل فقط.

فعند الرجوع للشأن المحلي، نلاحظ تركيز المملكة العربية السعودية بالوقت الراهن، وبالتحديد أمانة المنطقة الشرقية، بتحديث البنية التحتية. فهناك العديد من مشاريع تطوير المنظر العام، وأنواع مختلفة من التوسعة والحدائق، وإنشاء مبانٍ جديدة... إلخ من مشاريع. وأعتقد أنها خطوة مهمة جدًا وجميلة ورائعة، وبنفس الوقت تندرج تحت فئة ”Limited Scale“؛ حيث مجمل الدول بالعالم تبدأ من هذه النقطة، وهو مطلب سائر البشر لتحقيق الأهداف بوقت وتكلفة أقل. وأنا شخصيًا أشجع هذا المسار بقوة، للتأكد من سد أي فجوة قدر الإمكان وربطها بمدن المستقبل.

وفي الجهة المقابلة، تُعرض دراسات مستمرة للمدى البعيد، للاستبيان والدراسة والتدريب لمستويات أكاديمية رفيعة، وتقييمها بشكل دوري من قِبل هيئة تطوير المنطقة الشرقية. كما أشرت تمامًا بالمقال السابق ”التدريب العملي لرؤية طموحة“، على سبيل المثال:

• التوسع الرأسي Vertical Expansion: تحديد مدن متعددة بالمنطقة الشرقية تتوسع بشكل ناطحات سحاب؛ للحفاظ على مسطحات الأراضي والطبيعة الثمينة.

• أن تكون مدنًا ذكية وصديقة للبيئة.

• كيفية الربط بالمدن التقليدية، التي تم تحديث بنيتها مسبقًا.

والعديد العديد من العناصر، بحيث تكون المدة مستمرة، لغرض التقييم مرتين إلى ثلاث مرات بالسنة. فهذه مشاريع تُسمَّى ”Large Scale“، وتندرج بفئات متعددة من المشاريع العملاقة ”Mega Projects“، والتي تتطلب عقودًا طويلة من الزمن لرؤية نتائجها.

المصادر:

• رسالتان للمهتمين بالشأن الاجتماعي، الأستاذ وصفي أحمد البصارة - صحيفة جهات الإخبارية - 15 فبراير 2026

https://jehat.net/133356

• اصدع بكلمتك وانشر فكرك فنجاحك حينما ينتقدك الناقدون، سماحة الشيخ حسين البيات - صحيفة الخط الإلكترونية - 1 ديسمبر 2025

• Which US cities have the biggest downtowns? By Capital Frontiers

• The downtown comeback: cities of all sizes are building for future, By Mary Scott Nabers ”Insight“ November 07,2025