آخر تحديث: 23 / 2 / 2026م - 1:23 ص

مَنْ هو المثقف؟

محمد يوسف آل مال الله *

قبل عدة أيام سألني أحد الأخوة الأعزاء هذا السؤال: مَنْ هو المثقف؟. وقد أجبته بصورة مقتضبة جدًا، فاردف قائلًا: إذًا أنت تتفق معي في أنّ هناك فرق بين العالم أو المتخصص والمثقف. ومن هنا ارتأيت أن استطرد في الجواب لعلّ الصورة تكون أوضح ويزيل اللبس.

يبدو سؤال ”من هو المثقف؟“ بسيطًا في ظاهره، لكنّه في العمق من أكثر الأسئلة التباسًا في مجتمعاتنا المعاصرة. فكثيرًا ما يُختزل المثقف في صاحب الشهادة العليا، أو في مَنْ يكتب المقالات، أو في مَنْ يظهر في وسائل الإعلام. غير أنّ هذه الصورة الشكلية لا تكشف حقيقة المثقف بقدر ما تكشف مهنته أو حضوره الاجتماعي.

المثقف، في جوهره، ليس مخزن معلومات ولا حامل ألقاب علمية، بل هو إنسان امتلك وعيًا نقديًا تجاه نفسه ومجتمعه والعالم من حوله. فالمعرفة شرط أولي، لكنّها لا تكفي وحدها. قد يكون المرء واسع الاطلاع، لكنّه يفتقر إلى القدرة على الفهم العميق والتحليل وربط الأسباب بالنتائج، فيتحوّل علمه إلى تكرار لا إلى وعي. ومن هنا، يصبح الفرق واضحًا بين المتعلم والمثقف: الأول يعرف، أما الثاني فيفهم ويؤول ويقارن.

كما أنّ المثقف الحقيقي لا يعيش في برج عاجي، معزولًا عن هموم الناس. بل هو ابن واقعه، يشعر بمشكلاته، ويتفاعل مع قضاياه، ويحاول أن يضيء جوانب العتمة فيه. وظيفته ليست الترف الفكري، بل إيقاظ الأسئلة: لماذا يحدث ما يحدث؟ ومن المستفيد؟ وما البديل؟ لذلك كان المثقف عبر التاريخ عنصرًا مزعجًا للسلطات الجامدة، لأنّه لا يكتفي بالتفسير، بل يدفع نحو التغيير.

فمن سمات المثقف أيضًا تحمّله للمسؤولية الأخلاقية. فهو لا يستخدم معرفته لتبرير الظلم أو تزيين الخطأ، بل ليكشفه ويواجهه بالحجة والكلمة. وقد لا يكون صاحب قرار، لكنّه صاحب موقف، والموقف في كثير من الأحيان أقوى من القرار. فالصمت عن الانحراف شكل من أشكال المشاركة فيه، بينما الوعي النقدي مقاومة ناعمة لكنّها فعّالة.

وفي زمن الإعلام السريع وثقافة ”الترند“، برز نوع جديد يمكن تسميته ”المثقف الاستعراضي“، الذي يملك لغة جذابة لكنّه يفتقر إلى عمق الفكرة، فيتحوّل الخطاب الثقافي إلى عرض لفظي بلا مضمون تغييري. وهنا تظهر الحاجة الملحّة إلى إعادة تعريف المثقف بوصفه حامل رسالة لا مجرد صانع محتوى.

خلاصة القول: المثقف ليس مَنْ يعرف أكثر، بل من يفهم أعمق، وليس من يتكلم أكثر، بل مَنْ يرى أبعد، وليس مَنْ يساير الواقع، بل مَنْ يراجعه وينقده. هو ضمير المجتمع حين يغفل، وعقله حين ينخدع، وصوته حين يصمت الكثيرون. لذلك، فالمثقف الحقيقي ليس لقبًا يُمنح، بل دور يُمارس ومسؤولية تُحمل.