مطلوب شركة استشارية ذكية
تبذل الشركات الاستشارية العالمية جهداً مضنياً لتكسب معركة التحول الذكي، لتطوير منتجاتٍ لها مرتكزة على الذكاء الاصطناعي، فهل يكون لنا نصيب بأن نؤسس شركة استشاريةً تنافس؟ صناعة الخدمات الاستشارية على مفترق طرق، بسبب الذكاء الاصطناعي تحديداً. والفرصة مواتية حيث تهدف المملكة أن تحل في المرتبة الثالثة بعد الولايات المتحدة والصين، ما يعني أن يوظف الذكاء الاصطناعي في مناحي الحياة كافة. أما الذكاء الاصطناعي فقد أثر على الشركات الاستشارية من زاويتين متناقضتين؛ زاوية ربح نتيجة للأتمتة وللاستشارات في الذكاء الاصطناعي ومجالات تطبيقه، ومن زاوية ثانية زيادة المنافسة من الشركات الأصغر حجماً نتيجة لامتلاكها أدوات كان مقتصرٌ توفرها على الشركات الأكبر.
وهنا يبرز سؤال: كيف توائم بين الأمرين؟ وهل نستمر مع الشركات الاستشارية الكبيرة رغم كل التغييرات الهيكلية التي أحدثها الذكاء الصناعي من ”تحييد“ الميزة التنافسية الأهم التي كانت الشركات العالمية تمتاز بها، وهي مراكز مشاركة المعرفة knowledge sharing center, تلك المراكز تشمل أرشيفاً معرفياً ومخزوناً من الدراسات والاستشارات السابقة التي أجرتها الشركة على امتداد تاريخها في شتى بقاع الأرض، وهي - بطريقة أو بأخرى - متاحة ليستفيد منها فريق الشركة الاستشارية في تنفيذ أعماله المقبلة. الآن كل الشركات الاستشارية تملك مراكز مشاركة المعرفة، فهل هذا سيغير شيئاً؟.
تشهد سوق الاستشارات في المملكة العربية السعودية نمواً استثنائياً مدفوعاً بمشاريع رؤية 2030، حيث قفز حجم السوق من حوالي 1.44 مليار دولار في عام 2016 ليصل إلى تقديرات بـ 2.1 مليار دولار للعام 2024، مع توقعات بأن يتجاوز 3.5 مليار دولار بحلول عام 2030 بمعدل نمو سنوي مركب يتراوح بين 8% إلى 10%. هذا الزخم جعل من السوق السعودي المحرك الرئيس لقطاع الاستشارات في منطقة الخليج والشرق الأوسط، مما خلق بيئة تنافسية فريدة بدأت فيها الفجوة التقليدية بين الشركات الكبرى ”Big Four“ والشركات المتوسطة والصغيرة تتقلص بشكل ملحوظ بفضل أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي تمكن الشركات الأصغر من محاكاة القدرات التحليلية والإنتاجية للشركات العالمية، ما يسمح لها بتقديم مخرجات عالية الجودة بتكلفة أقل وسرعة تنفيذ تتناسب مع وتيرة المشاريع المتسارعة في المنطقة.
في قطاع الاستشارات الهندسية والإدارية، أحدثت النماذج اللغوية الكبيرة LLMs تحولاً جذرياً في كفاءة العمليات؛ فبينما كانت الشركات الكبرى تعتمد على جيوش من المحللين لإعداد التقارير ودراسات الجدوى، باتت المكاتب الهندسية والإدارية المحلية قادرة على استخدام الذكاء الاصطناعي لأتمتة صياغة العقود، وتحليل جداول الكميات، وتوليد تقارير الامتثال للمعايير السعودية بدقة متناهية. هذا التحول لم يرفع الجودة فحسب، بل سمح للمكاتب المحلية بالتركيز على ”التوطين المعرفي“ وتقديم حلول هندسية وإدارية تراعي الخصوصية الثقافية والجغرافية للمملكة، وهو أمر كان يتطلب سابقاً موارد بشرية هائلة لا تتوفر إلا لدى الكيانات الدولية الكبرى.
أما في مجالي الاستشارات القانونية والموارد البشرية، فقد ساهم الذكاء الاصطناعي في الوصول إلى المعلومات والتشريعات المعقدة. أصبح بإمكان المكاتب القانونية المتوسطة في الخليج معالجة آلاف الوثائق والأنظمة وتلخيص السوابق القضائية في ثوانٍ، مما قلص الفارق المهني مع الشركات الدولية التي كانت تتفوق بقواعد بياناتها العالمية. وفي الموارد البشرية، مكنت هذه الأدوات الشركات من تصميم سياسات إحلال وتوطين متطورة، وتحليل هيكلي للرواتب والمزايا بناءً على بيانات السوق اللحظية، مما جعل الاستشاري المحلي أكثر قدرة على تقديم نصائح استراتيجية دقيقة تضاهي في عمقها ما تقدمه كبرى الشركات العالمية، ولكن بمرونة أكبر وفهم أعمق لمتطلبات سوق العمل المحلي، وبالتأكيد بتكلفة أقل.
بالنظر إلى المستقبل، يتجه سوق الاستشارات في السعودية ودول الخليج نحو نموذج ”الاستشاري الهجين“ الذي يدمج الخبرة البشرية العميقة مع قدرات الذكاء الاصطناعي الفائقة، إذ لم تعد الضخامة العددية للموظفين هي الميزة التنافسية الوحيدة للشركات الكبرى، بل ستصبح القدرة على ”تخصيص“ الحلول وسرعة الاستجابة للتغيرات التنظيمية هي المعيار الحقيقي للنجاح. وهكذا، فمن المؤمل أن تشهد السوق ظهور تحالفات بين مكاتب استشارية محلية لتنافس بقوة على العقود الحكومية الضخمة، مستفيدة من انخفاض التكاليف التشغيلية وقدرتها على تقديم قيمة مضافة تتجاوز مجرد التقارير النظرية إلى التنفيذ العملي المدعوم بالبيانات.
















