آخر تحديث: 23 / 2 / 2026م - 1:23 ص

وعي الأهداف

عيسى العيد * صحيفة اليوم

لكل إنسان أهداف وتطلعات يسعى لتحقيقها، وهي غايته في حياته. قد تختلف هذه الأهداف وتتغير بتغير نوعية التفكير، وتتبدل مع تغير الظروف الحياتية، لكنها تبقى غاية لصاحبها في مرحلة ما، وقد تظل حاضرة في ذاكرته حتى وإن تغيّر الاتجاه الساعي إليها، وتبقى مشغلة لعقله حتى وإن تجاوزها.

هناك من يرغب في الوصول إلى هدفه، لكنه يكتفي بالتمني والانتظار، فيتشبث بأي أمر خارجي يساعده على تحقيق أمنيته، ودائمًا ما يطلب حاجته عبر وسيط، فيتعود على حالة التبعية والاعتماد على الغير. هذا النوع غالبًا لا يحقق أهدافه، بل قد يتنازل عنها عندما لا يجد من يحققها له.

وعلى النقيض من ذلك، هناك من يبذل جهدًا حقيقيًا في سبيل الوصول إلى هدفه، حتى وإن واجهته معوقات أو إغراءات تدفعه للتراجع. فهذا الصنف يعمل على بناء ذاته أولًا، ولا ينتظر أن يبني له الآخرون طريقه. ومع ذلك، قد تكون بعض الأهداف أكبر من مستوى التفكير الحالي لصاحبها، مما قد يعرّضه للإحباط إن لم يبلغها؛ ولهذا فإن تقسيم الأهداف الكبيرة إلى أهداف صغيرة متتابعة يعد أمرًا ضروريًا، إذ يمنح الإنسان شعورًا بالإنجاز ويعينه على الاستمرار.

وتبرز هذه الفكرة بوضوح في قصة واقعية:

ثلاثة أشخاص تم تعيينهم في مؤسسة مبيعات؛ اثنان منهم يحملان شهادة المتوسطة، والثالث كان أقل منهم تعليمًا، إذ يحمل شهادة الثاني المتوسط. أثناء العمل، تكوّن لدى الشخص الثالث طموح واضح، فكان هدفه في البداية الحصول على شهادة المتوسطة ليصبح متساويًا مع زميليه، بينما كان الاثنان راضيين بما لديهما. التحق بالدراسة المسائية، وبعد حصوله على شهادة المتوسطة لم يعد مقتنعًا بها، فتغيّر هدفه نحو إكمال دراسته الجامعية. واصل طريقه، وانتسب إلى الجامعة، حتى حصل على شهادة البكالوريوس، في حين بقي الزميلان على حالهما. لم يكن الفرق في الظروف أو الإمكانات، بل في التفكير الذي أنتج هدفًا، ثم طوّر هذا الهدف مع تطور الوعي.

تعد الأهداف عنصرًا أساسيًا في حياة الإنسان؛ فوجودها يدفعه إلى التخطيط، ومن خلال التخطيط يبدأ العقل في التفكير المنظم، ويبقى في حالة من الانشغال الإيجابي لتحقيق الغاية. وهنا لا بد من التفريق بين الهدف والحلم؛ فالهدف قابل للتحقيق بعد محاولات وجهود، وقد لا يتحقق كاملًا لكنه يظل ضمن دائرة الممكن، أما الحلم فهو غالبًا غير قائم على أسس واقعية. كما أن الهدف ينبع من عقل واعٍ ومفكر، بينما ينبع الحلم من رغبة عاطفية مجردة.

هل تتغير الأهداف بتغير التفكير والظروف؟

نعم، فالهدف يتشكل بحسب مستوى التفكير والمناخ الاجتماعي المحيط بالإنسان. وقد يتغير الهدف مع تغيّر الظروف أو اتساع الإدراك، وهذا التغيّر لا يُعد فشلًا، بل دليل نضج وتحول في الرؤية.

في النهاية، إن تغيّر الأهداف ليس ضعفًا في الإرادة، وإنما نتيجة طبيعية لتغيّر التفكير وازدياد الوعي، وهو دليل على قدرة الإنسان على فهم واقعه وإعادة توجيه مساره بوعي ومسؤولية.