الخوف من المستقبل
قد يشعر الإنسان بالخوف أو الحزن عندما يتذكر بعض المواقف الماضية التي مرَّت عليه؛ خاصَّة إذا كانت مواقف أليمةٌ أو سببت له مشكلات. وسبب هذه المخاوف أو الأحزان أنَّه وقع في التجربة فعليًّا، وعاش أحداثها بتفاصيلها.
لكن أن يشعر الإنسان بالخوف أو الحزن، أو أن يتعمق في التَّفكير بأحداث مستقبليَّة لم تحدث حتَّى الآن، فهنا قد نكون أمام أمر مختلف. فقد بات كثيرٌ من النَّاس في هذا الزَّمن يفكِّرون كثيرًا بالمستقبل، وخاصَّة الأبوين.
والتَّخطيط للمستقبل يختلف كثيرًا عن القلق منه. ولسنا هنا بصدد الحديث عن التَّخطيط؛ وإنَّما نركِّز على هواجس الخوف من المستقبل، سواء القريب أو البعيد.
فهل لهذه المخاوف أسباب مقنعة؟
وهل لهذه الهواجس دواعي حقيقيَّة، خاصَّة في ظلِّ الأوضاع الاقتصاديَّة التي قد تنعكس على الأجيال القادمة؟
كما أنَّ كثيرًا من الآباء باتوا يفكرون في مستقبل أبنائهم من ناحية الدِّين والأخلاق. هل أصبح الخوف من الإهمال الدِّيني أو الانحدار الأخلاقي هاجسًا متزايدًا؟ وهل باتت الأخلاق زاوية واسعة للمخاوف؟
وهل أصبحنا نخاف من مشكلات مستقبليَّة قبل وقوعها؟ وهل هذا الخوف واقعي فعلًا؟
ورغم أنَّ زمن الآباء أو الكبار لا يشبه تقريبًا زمن الجيل الحالي أو الجيل القادم، فهل خبرة الكبار كافية لنحوّل هذا الخوف إلى حقيقة واقعيَّة؟
لا أعتقد أنَّها تكفي. فالتَّجارب مختلفة إلى حدٍّ كبير؛ مختلفة مكانيًّا، واقتصاديًّا، ومعرفيًّا. وما عاشه الجيل السَّابق لا يمكن إسقاطه بالكامل على جيل يعيش في ظروف وأدوات ومعطيات مغايرة.
ومن أبرز مظاهر هذا الخوف اليوم خوف الأبوين على أبنائهم من رفقاء السُّوء. في الماضي، كانت دائرة الصَّداقات محدودة ومعروفة، أمَّا اليوم فامتدت إلى العالم الافتراضي، وأصبح تأثيرها أسرع وأوسع. لكن هل الخطر ازداد فعليًا، أم أن وعينا به هو الذي تضخم؟. رفقاء السُّوء لم يكونوا غائبين عن الأجيال السَّابقة، والفرق أن الخوف اليوم أصبح حاضرًا أكثر في ذهن الأبوين، قبل أن يظهر أيُّ مؤشر حقيقي على الانحراف. فالخوف شعور طبيعي، وفطرة فطرنا الله تعالى عليها. هو يحفِّزنا على الحذر، ويدفعنا للاهتمام بمستقبل أبنائنا، ويجعلنا أكثر حرصًا ومسؤوليَّة.
لكن المشكلة حين يتحوَّل الخوف من دافع إلى عبء، ومن وسيلة للحرص إلى قيد دائم على الحياة؛ إذ الخوف المبالغ فيه يستهلك طاقة الأبوين ويحوّل البيت إلى مساحة توتر مستمرة، حتَّى قبل أن تحدث أي مشكلة فعليَّة.
اليوم نسمع عن كلِّ أزمة اقتصاديَّة، ونشاهد كلَّ انحراف أخلاقي، ونقرأ عن كلِّ قصة فشل أو ضياع. فصار الخطر يبدو أكبر من حجمه الحقيقي، وصارت الاستثناءات تبدو وكأنَّها القاعدة، ويضاف إليها الخوف من عدم قبول أبنائنا في الجامعات أو من عدم وجود وظيفة تليق بهم.
لكن هل المشكلة في المستقبل نفسه، أم في الطَّريقة التي ننظر بها إليه؟
إنَّ الخطر لم يزد بالضَّرورة؛ لكن وعينا به أصبح أوسع وأعمق، ولذلك يتضخم الخوف في ذهننا قبل وقوعه.
لسنا مسؤولين عن المستقبل بالكامل؛ وإنَّما مسؤولون عما نستطيع عمله اليوم: التربية الواعية، التَّوجيه الصَّحيح، وتقديم القدوة الحسنة. وهذه الأشياء تترك أثرًا دائمًا على الأبناء، وتزرع الثِّقة والقيم، دون أن يجعلنا الخوف أسيرًا للمخاوف التي لم تحدث بعد.
الطمأنينة الحقيقيَّة لا تأتي من السيطرة أو التَّخطيط المفرط؛ بل من الثقة بالله سبحانه وتعالى، فهو مدبر الأكوان وحافظ الأبناء قبل أن نكون نحن قادرين على حمايتهم. القلق لا يغيِّر القدر؛ لكنه يثقل القلب، أمَّا الثقة بالله سبحانه فتوازن خوفنا وتضع مسؤولياتنا في مكانها الصَّحيح. فالخوف اليوم جزء من حياة الأبوين؛ لكنه غالبًا ما يكون مبالغًا فيه، والحرص مطلوب، أمَّا القلق المستمر فليس وسيلة للحماية، هو عبء على الأسرة. فلنخطط، ولنرشد، ولنحب، ولنثق بأنَّ الله عزَّ وجلَّ هو الأقدر على حفظ الأبناء وحمايتهم، وأن الطَّمأنينة الحقيقيَّة تبدأ عندما نضع مستقبلنا وأحباءنا في يده قبل كلِّ شيء.
ولأختم، لكلمات السيد محمد رضا رحمه الله:
”ليش تحمل هم المستقبل؟ عش في اللحظة الحاضرة. شنو يصير بعدين؟ صلاة قم صلي، نوم قم ونام، بكرة شنو يصير؟ أنت شعليك من بكره.“
هذه الكلمات تلخص كل ما سبق: الطمأنينة، الثقة بالله «تعالى»، والعيش في الحاضر من دون استغراق في مخاوف المستقبل.
















