النوادر الياسرية «10» كونوا شاورمي الهوى
حدّثني أحد الظرفاء يومًا - وكان من روّاد دكك الشاورما وأرباب أسرارها - فقال: «إن أردت أن تعرف أذواق الناس، فلا تغامر فتسألهم… قف فقط خلف معلم الشاورما.. هناك، ستشهد الحياة بلحومها وبهاراتها، وترى الناس على حقيقتهم قبل أن يبتلعوا أول لقمة»
استغربتُ وسألته مستنكرًا: «وكيف ذاك يا أخا العرب؟»
قال وهو يلوّح بسكين الخبز كأنه حكيمٌ من حكماء بني دجاج..
«ذاك يريدها بالسلطة، وذاك بلا سلطة، وآخر يطلب مخلّلًا أكثر من اللحم، ورابع يصرّ على أن تكون ”مشكّلة“ بين الدجاج واللحم وكأنما يعقد صلحًا تاريخيًا بين الجنسين، وهذا يطلب سمنًا زائدًا ليُطمئن بطنه بأن الدنيا ما زالت بخير».
ثم أخذ يعدد حتى كدتُ أظن أن الشاورما علمٌ تُمنح فيه شهادات عليا، وربما تُدرَّس في جامعة كامبريدج ضمن قسم الفلسفة الذوقية.
قلت له ضاحكًا: «لا شكّ أنك شاروميٌّ همام، لا يُشقّ لك غبار».
ثم أضفت.. «أما أنا فأعرف الناس من بروفايلاتهم في الواتس؛ فهذا يضع صورته وحدها ليقول لك.. أنا عباس بن فرناس الفرناسي فقط لا غير، وآخر يبدّلها كل أسبوع، ولعلّه يعيش مراهقةً مؤجّلة، وثالث يضع نفسه بين كبار الشخصيات في صورةٍ واحدة، فهو بين أمرين.. إمّا عقدةُ نقصٍ يرقّعها بهذه المصاحبات الوهمية، وإمّا مشروع عملٍ يستبطن فيه شيئًا من التلميع والتسويق، والله أعلم بما تخفيه النوايا، وآخر جعل صورة العلماء والمراجع واجهةً لحسابه، يعتصر منها شيئًا من الوقار، مع أن العلماء في شغلٍ عمّن يحاول استدعاء الهيبة الدينية من خلال لافتة».
ثم هناك ذلك الذي لا يضع صورةً أصلاً، خشيةَ عينٍ أو خوفَ سحر، كأن في وجهه «عينًا زرقاء» تنافس عين الفنان حسين فهمي نفسه!
ولما أطلتُ التفكير في شؤون هؤلاء، قلت لنفسي.. لعلّي سأصبح أنا أيضًا «شاورميَّ الهوى»، أقرأ الناس من شطائرهم بدل صورهم؛ فالأوّلون - على الأقل - يحملون نكهةً واضحة، أما الآخرون فملؤوا الدنيا ضبابًا وفلترات.
وأتخيّل الحطيئة، شاعر الهجاء العظيم، لو بُعث في زماننا هذا، هل كان ليقول فينا شيئًا أشد وقعًا من قوله للزبرقان:
دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبُغيتها
واقعدْ فإنك أنتَ الطاعمُ الكاسي
فقد باتت الدنيا اليوم «شاورمية الهوى» كما لم تكن من قبل؛ تسأل أحدهم عن موقع مكانٍ ما، فيخبرك أنه «بجانب مطعم الشاورما الفلاني» يزور المشاهير بلدًا عريقًا بالتاريخ والثقافة، فيعودون إلينا بتوصيات عن «كيكة» معيّنة و«قهوة» لا تُفوَّت، كأن المتاحف علبُ سردينٍ مغلقة لا حاجة لفتحها.
فيا قوم… كونوا ما شئتم، واتخذوا من الشاورما قبلةً لأذواقكم، ولكن - إن غلب عليكم الهوى - فكونوا «شاورميّي الهوى»، يغفر الله لكم، ويهديكم إلى صلصةٍ أقلّ دسمًا، وذوقٍ أكثر رشاقة!
ولعمري لقد خلق الله للحروب رجالًا، ورجالًا لقصعةٍ وثريد… بل لعلّ رجال زماننا قد استبدلوا قافية الثريد… بشاورمةٍ وعصيد.
















