آخر تحديث: 22 / 2 / 2026م - 1:32 ص

الثقافة وتأثيرها على المجتمع

أمير بوخمسين

لا يُبنى الإنسان صدفة؛ المعرفة هي من تبنيه، وتصقله القراءة، ويهذبه الوعي. فكلما كان الإنسان مطلعًا ومثقفًا وواعيًا، كان أثره في مجتمعه أطيب، وكان حضوره في علاقاته الاجتماعية أكثر إيجابية، وأقرب إلى التوازن والرشد.

القراءة ضرورة اجتماعية. هي المدرسة التي يدخلها الإنسان باختياره، فيتعلم كيف يفكر، وكيف يختلف، وكيف يحاور.

ومن يقرأ كثيرًا، يرى العالم أوسع من حدود نفسه، وأعمق من رأيه الشخصي، فتخف حدة تعصبه، ويقل اندفاعه، ويتسع صدره للناس.

إن المجتمع الذي يقرأ هو مجتمع يعرف كيف يدير خلافاته، وكيف يطالب بحقوقه، وكيف يبني مستقبله بلا كراهية. فالمعرفة لا تمنحنا معلومات فقط، بل تمنحنا أخلاقًا جديدة: احترام الوقت، واحترام الرأي الآخر، واحترام القانون، واحترام الإنسان. فالتجارب العالمية تؤكد أن القراءة، حين تتحول إلى نهج مجتمعي، تصنع الفارق.

في فنلندا، التي تُعد من أفضل دول العالم تعليمًا، بنيت النهضة على فكرة بسيطة: مكتبة في كل حي، وكتاب في يد كل طفل. لم تربط القراءة بالامتحان وحده، بل بالمتعة والفضول، فكبر جيل يعرف كيف يفكر، فانعكس ذلك سلوكًا راقيًا، واحترامًا للنظام، وثقافة في الحوار.

وفي اليابان، بعد أن خرجت البلاد مثقلة بآثار الحرب العالمية الثانية، بدأوا ببناء الإنسان عبر المدرسة والكتاب. أصبحت القراءة عادة يومية في القطارات والحدائق، فتحولت الثقافة إلى سلوك عام: انضباط، واحترام الوقت، والنظافة.

أما كوريا الجنوبية، فقد رفعت ميزانية التعليم، وشجعت القراءة والترجمة، وربطت التقدم الاجتماعي بالتحصيل العلمي، فتحول الكتاب إلى سلم للصعود الاجتماعي، وانتقل المجتمع من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها.

إن تأثير الثقافة على العلاقات والمجتمعات الإنسانية يتم من خلال طرق متعددة؛ فالقيم والمعتقدات تؤثر على كيفية تفاعل الأفراد مع بعضهم البعض. على سبيل المثال، في بعض الثقافات، يُشجع على الاحترام المتبادل والكرم، مما يعزز العلاقات الإيجابية. والتواصل بين الثقافات يساعد على الفهم المتبادل وطريقة التعبير عن المشاعر. كذلك تحدد الثقافة الأدوار المرتبطة بالنوع الاجتماعي، الذي بدوره يساعد على تشكيل العلاقات. وتلعب التقاليد والعادات دورًا في تشكيل العلاقات التي تعزز الروابط الاجتماعية، إضافة إلى فهم الاختلافات الثقافية التي قد تؤدي إلى سوء الفهم؛ لذا فإن الوعي بتلك الاختلافات يساعد الأفراد على بناء علاقات أفضل وتجنب النزاعات.

في النهاية، إن فهم هذه التأثيرات يمكن أن يساعد الأفراد على تحسين مهارات التواصل وبناء علاقات أكثر احترامًا وتفهمًا.

حين ترتفع ثقافة المجتمع، ينعكس على السلوك اليومي: في لغة الخطاب داخل البيوت، وفي طريقة النقاش في الأسواق، وفي أسلوب النقد في الإعلام، وفي شكل المطالبة بالحقوق في الشارع.

القراءة، في جوهرها، فعل تحرر: تحرر من الجهل، وتحرر من الشائعة، وتحرر من التفكير الأحادي، وتحرر من أن يقودك الآخرون دون معرفة.

نحن اليوم أحوج ما نكون إلى مشروع وطني للقراءة والمعرفة، يبدأ من المدارس، ومن البيوت، ومن الإعلام، ومن القدوة.

إن بناء مجتمع سليم معافى في علاقاته، مثمر في تعاونه، محترم في اختلافه، لا يكون إلا بالوعي اليومي والمتراكم؛ حين نضع الكتاب في يد الإنسان، فإننا في الحقيقة نضع المجتمع كله على طريق أكثر إنسانية، وأكثر كرامة، وأكثر مستقبلًا.