رمضان… انكشاف الوجود
لا يأتي رمضان شهرًا إضافيًا في تقويم الزمن، ولا يمرّ ضيفًا موسميًا على الحياة. يظهر حضورًا يعيد ترتيب المعنى من الداخل. لحظة اختلال محسوب في انتظام الأيام، يتوقّف فيها السرد اليومي عن الاندفاع، ويُمنح الإنسان فرصة نادرة للإنصات بدل الجري، وللملاحظة بدل التكرار. في هذا الحضور، لا يُطلب الإنجاز، ويُعلّق منطق السباق، ويُستدعى الانتباه فعلًا أخلاقيًا قبل أن يكون حالة ذهنية.
في رمضان، لا يتغيّر ظاهر الأشياء بقدر ما تتغيّر زاوية النظر إليها. ما اعتاد الإنسان المرور عليه دون وعي يعود إلى الواجهة، وما احتلّ الصدارة طويلًا يتراجع دون مقاومة. ترتيب الداخل ينهار في صمت، ثم يُعاد بناؤه بعيدًا عن الضجيج الذي يرافق التحوّلات السطحية. هنا يتكشّف الإنسان على حقيقته الأولى: كائن روحي يعبر الجسد لاختبار وعيه، لا جسد يحمل روحًا على الهامش.
الصوم في هذا السياق لا يُختزل في الامتناع عن الطعام، ولا يُفهم طقسًا انضباطيًا للجسد. هو تمرين عميق على التخلّي، وتخفّف مقصود من فائض السيطرة. حين يخفّ الجسد، تنكشف الفكرة، وحين يتراجع الضجيج الحيوي، تتقدّم الروح التي طال إقصاؤها تحت ضغط الإشباع الدائم. الجوع وعي، والعطش معرفة. في هذا الفراغ المختار يظهر الامتلاء الحقيقي، ويثبت التخلّي ذروة لا خسارة.
مع مرور الأيام، يختصر رمضان الضوضاء المحيطة بالإنسان، ويعيد للأشياء وزنها الطبيعي. تفقد الكلمات زوائدها، وتظهر النوايا على حقيقتها، وتستعيد الحركة معناها الأوّل بوصفها فعل حضور لا ردّ فعل. الزمن نفسه يتبدّل إحساسه؛ لا تعود الدقائق شيئًا يُطارَد، بل مساحة تحتوي الوعي وتسمح له بالاستقرار. الصوم في جوهره ليس ابتعادًا عن الحياة، هو اقتراب من مركزها الذي طال تجاهله.
وحين يأتي الليل، لا يكون زمنًا مغايرًا للنهار، هو امتداد أعمق له. الصمت يتحوّل لغة مكتملة، والسجدة تستعيد معناها الأصيل عودة إلى المصدر لا حركة جسدية متكررة. في هذا العمق، يسقط الادّعاء تلقائيًا، ويتقدّم الإنسان بصفته الإنسانية الخالصة، دون أقنعة أو تبريرات. الدعاء لا يُقال، يُصغى إليه، حيث تلتقي الحاجة الصافية مع طمأنينة لا تحتاج برهانًا.
وعند الغروب، لا يُنهي الصوم مساره، يُتوَّج. لحظة اعتراف بالحدّ البشري، وشكر صامت يتجاوز الكلمات. يستعيد الطعام معناه، وتعود النعمة إلى هيبتها الأولى، بعيدًا عن إسراف يطمس الدهشة، وعن اعتياد يفرغ الأشياء من روحها. في هذه اللحظة، يتذكّر الإنسان أن الاكتفاء لا يسكن في الكثرة، وأن القيمة تقيم في الوعي لا في الامتلاك.
رمضان في جوهره لا يقدّم خلاصًا جاهزًا، ولا يعد بتحوّل فوري. ما يمنحه هو الوضوح، والوضوح أعمق من التغيير. مرآة صافية يواجه فيها الإنسان نفسه دون وسائط، يغسل غبار الركض المتواصل، ويقف أمام حقيقته عاريًا من الحجج، ممتلئًا بسكينة لا تحتاج تبريرًا.
رمضان ليس شهر الطقوس وحدها،
هو لحظة صدق مع الأبدية.
ومن يعبر هذه اللحظة بوعي،
لا يعود كما كان.
















