آخر تحديث: 18 / 2 / 2026م - 11:48 م

كيف نعيش الصوم لا أن نمارسه فقط؟

محمد يوسف آل مال الله *

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 183]، صدق الله العلي العظيم

بداية، يسرني ويسعدني أن أتقدم إليكم بأصدق التهاني والتبريكات بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، سائلاً المولى العلي القدير أن يبلّغنا وايّاكم شهر الصوم وأن يمنّ علينا وعليكم وعلى جميع المسلمين بالرحمة والمغفرة والعتق من النار وأن يعيده علينا وعليكم أعواماً عديدة وأزمنةً مديده ونحن وأنتم في أحسن حال.. وكل عام وأنتم بخير..

مما لا شك فيه بأنّ الصوم ليس طقسًا جسديًا فقط، بل تجربة وعي متكاملة. فالوعي المطلوب لفهم أبعاد الصوم وأحكامه هو وعي ينتقل بنا من مستوى الامتثال الشكلي إلى مستوى الفهم المقاصدي، ومن ممارسة موسمية إلى سلوك يومي دائم.

أولًا: وعي المقصد قبل الحكم

أحكام الصوم تعلّمنا ماذا نفعل وماذا نترك، لكنّ الوعي يعلّمنا لماذا. حين نفهم أنّ الصوم شُرّع لتربية التقوى «لعلّكم تتقون»، لا لمجرد الجوع والعطش، ندرك أنّ الإمساك الحقيقي ليس عن الطعام فقط، بل عن كل ما يفسد الروح: الكذب، الغضب، الغيبة، والانشغال بما لا ينفع. هذا الوعي يحوّل الصوم من واجب ثقيل إلى مشروع تزكية.

ثانيًا: وعي العلاقة بين الجسد والروح

الصوم يذكّر الإنسان بأنّه ليس جسدًا فقط ولا روحًا فقط، بل كائن متوازن. تقليل شهوات الجسد ليس إلغاءً لها، بل إعادة ترتيب لأولوياتها. الوعي هنا يجعلنا نفهم أنّ الجوع المؤقت ليس هدفًا، بل وسيلة لكسر الاعتياد، وإيقاظ الإحساس، وإعادة تدريب الإرادة على القيادة بدل الانقياد.

ثالثًا: وعي الزمن والانضباط

تحديد أوقات الإمساك والإفطار ليس مجرد تنظيم يومي، بل تدريب على احترام الوقت والالتزام. حين نعي هذا البعد، نبدأ بتوظيف الصوم في حياتنا اليومية عبر ضبط مواعيدنا، احترام عهودنا، وتأجيل رغباتنا بدل الاستسلام الفوري لها. فكما نصبر عن المباح، نتعلّم الصبر عن المحرّم، بل حتى عن المضرّ وإن كان مباحًا.

رابعًا: وعي اجتماعي وأخلاقي

الصوم ليس عبادة فردية منعزلة، بل يخلق شعورًا بالآخرين. الجوع يوقظ التعاطف، والعطش يوقظ الإحساس بالمحرومين. الوعي هنا يجعلنا نترجم الصوم إلى سلوك: صدقة، كفّ أذى، لطف في التعامل، ورحمة في الحكم على الناس. فالصائم الواعي لا يكتفي بترك الطعام، بل يترك القسوة أيضًا.

خامسًا: توظيف هذا الوعي في الحياة اليومية

يمكننا أن نجعل الصوم مدرسة تمتد بعد رمضان عبر:

• الصوم عن الكلمة المؤذية كما نصوم عن الطعام.

• الصوم عن التسرّع كما نصوم عن الشهوة.

• الصوم عن الاستهلاك الزائد كما نصوم عن المفطّرات.

• تحويل فكرة ”الإمساك“ إلى مهارة يومية في ضبط النفس.

الوعي المطلوب لفهم أبعاد الصوم هو أن نراه مشروع بناء داخلي لا مجرد عبادة زمنية. فإذا كان الصوم يُعلّمنا أن نملك رغباتنا لساعات، فالوعي الحقيقي أن نتعلّم كيف نملكها لأيام حياتنا كلّها. وهنا يصبح الصوم ليس شهرًا في السنة، بل منهجًا في الحياة: أن نعيش أقل عبودية للشهوة، وأكثر حرية للمعنى.

كل عام وأنتم بخير