ضيف عزيز يطرق الباب
ها نحن على أعتاب نفحة من نفحات الرحمن، وعلى وشك أن تهل علينا نسمة من نسمات الجنان. في غضون ساعات، تفتح أبواب السماء، وتصفد الشياطين، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر. أتراها مجرد ساعات تفصلنا عن شهر الصيام؟ أم أنها لحظات تفصلنا عن موسم غال لا يتكرر، وعن ضيف عزيز لا يطول؟
إنه شهر الله، شهر النفحات، حيث ترفع الدرجات، وتكتب الحسنات، وتمحى السيئات. وكأنه رسالة من الملكوت إلينا في عالم الشهادة: تعالوا نصنع من أيامنا حكاية نور لا تُنسى.
إنه محطة إيمانية لإعادة ضبط الإعدادات، نبدأ فيها بمراجعة أنفسنا، وتصحيح الخلل فينا، ومواجهة مشاكلنا بكل حزم، مع القدرة على التسامح مع من أساء إلينا، وحفظ كرامتنا، وتجاوز الصغائر التي لا قيمة لها ولا تستحق أن تهدر من أجلها القلوب.
كم من إخوة وأخوات متخاصمين على توافه لا تُذكر، وأعمال لا تغتفر، وثواب ضائع لا يجزى، وكلها من أعمال الشيطان. وكم من أبناء خاصموا آباءهم، ألم يعلموا أن ذلك من العقوق ومن الكبائر؟ ألم يتدبروا قول الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: 24]؟ إن لم يتسع قلبك لهما، فرحمة الله فوق كل شيء.
ونرى كذلك أزواجًا وزوجات لم يتحمل بعضهم بعضًا، النشوز يتصدر المشهد، ويغيب عنصر الاحترام، وتتهاوى الحقوق بين الطرفين، وكأنما تربطهما علاقة شقاء وسوء، بلا حب ولا مودة. فما الذي يحدث، يا ترى؟
أحدث نفسي قبل أن أحدثكم: إن شهر الله محطة يعاد فيها ترصيص وضبط العلاقات داخل الأسرة والمجتمع. فلندع بعضنا جميعًا إلى استغلال هذا الشهر الكريم بكل ما أوتينا من وعي وثقافة، لضبط النفس وتهذيبها، وتقليم أظافر الشر والسوء، وتغذية أرواحنا بطاعة الله واستغفاره، والابتعاد عن الكبائر والمعاصي التي نهى الله عنها، ونهى عنها الرسول ﷺ.
ولنرتق جميعًا لنكون في أجمل صورة خلقها الله: كرماء، متواضعين، محترمين، لبقين، مساندين لغيرنا من الضعفاء، ساعين في قضاء حوائج الناس، ميسرين للصعاب، متجاوزين عن أخطاء بعضنا، حاملين أخوتنا على سبعين محملًا من العذر، وإن لم نجد عذرًا، نلتمس لهم العذر، موسعين على أهل بيوتنا، منفقين، بارين، موقنين لطف الله علينا فوق كل شيء، وغيرها من الأعمال الجميلة التي تبهج الصدر وتنير القلب.
فلنكن جميعًا على قدر هذه الضيافة الإلهية، ولنجعل من أيامه ولياليه فرصة ذهبية لنرتقي بأنفسنا ونتراحم فيما بيننا. فما أجمل أن نودع الشهر وقلوبنا نقية كالوليد، وعلاقاتنا متينة كالجبل، وأرواحنا عانقت عنان السماء بطاعة الله وذكره.
اللهم اجعلنا ممن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، وممن غفرت لهم ذنوبهم وتقبلت صيامهم وقيامهم، وممن أعتقت رقابهم من النار. واجعلنا فيه من عبادك الصالحين، المتسامحين، المتواضعين، الساعين في الخير، المعينين لبعضهم على البر والتقوى.
وكل عام وأنتم إلى الله أقرب، وبالخير والبر والتقوى أسبق.
لنعاهد الله على ألا ينتهي الشهر إلا ولدينا رصيدًا يتجاوز ملايين الحسنات، ومن المغفرة ما تتجاوز به سيئاتنا.
















