مهارات التطوع في الجمعيات الخيرية: بين القيم الرسالية والكفاءة المؤسسية
لم يعد العمل التطوعي نشاطًا عابرًا أو جهدًا فرديًا محدود الأثر، بل أصبح ركيزةً من ركائز التنمية المجتمعية المستدامة، ومحورًا رئيسًا في بناء المجتمعات المتماسكة. وفي المملكة العربية السعودية، تعززت ثقافة التطوع ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي سعت إلى رفع أعداد المتطوعين وترسيخ العمل غير الربحي كمكوّن تنموي فاعل.
غير أن نجاح العمل الخيري لا يقوم على حسن النية وحده، بل يحتاج إلى منظومة من المهارات التي تمزج بين القيم الإيمانية والكفاءة الإدارية.
1. الإخلاص واستحضار النية
قال تعالى: ﴿وما أُمِروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ «البينة: 5».
فالعمل الخيري عبادة قبل أن يكون نشاطًا اجتماعيًا، والإخلاص يضمن الاستمرارية ويحصّن المتطوع من الرياء أو المنّ.
2. الرحمة والتعاطف
قال تعالى: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ «الحشر: 9».
الإيثار والتعاطف ركيزتان في التعامل مع المستفيدين، فالعمل الخيري ليس توزيعًا ماديًا فقط، بل حفظٌ للكرامة الإنسانية.
قال رسول الله ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن» «رواه الترمذي».
1. مهارة التواصل
التطوع في الجمعيات يتطلب قدرة على الاستماع، والإقناع، وبناء علاقات إنسانية متوازنة.
قال رسول الله ﷺ: «تبسُّمك في وجه أخيك صدقة» «رواه الترمذي».
فحتى الكلمة الطيبة جزء من العمل الخيري.
2. العمل بروح الفريق
قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ «المائدة: 2».
العمل التطوعي المؤسسي يعتمد على فرق متكاملة «لجان خدمات، لجان إعلام، لجان بحث اجتماعي…». نجاح الفرد مرهون بقدرته على التعاون واحترام الأدوار.
وقال الإمام علي بن أبي طالب
في نهج البلاغة: «من استبدّ برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها».
وهذا يرسّخ قيمة الشورى والعمل الجماعي.
1. إدارة الوقت
التطوع الناجح يتطلب التوازن بين الالتزامات الشخصية والعمل الخيري، وتنظيم المهام بدقة.
2. التخطيط وتحديد الأهداف
قال أمير المؤمنين
: «قيمة كل امرئ ما يحسنه» «نهج البلاغة».
والإحسان في العمل لا يتحقق إلا بالتخطيط والإتقان.
وقال النبي ﷺ: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» «رواه البيهقي».
الإتقان هنا مهارة مؤسسية قبل أن يكون خُلُقًا فرديًا.
العمل التطوعي يحتاج إلى قيادات ملهمة قادرة على تحفيز الفريق وتحويل المبادرات إلى مشاريع مؤثرة.
قال تعالى: ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا﴾ «الأنبياء: 73».
فالقيادة في العمل الخيري هداية عملية تُبنى على القدوة الحسنة.
جسّد أهل البيت
نموذج التطوع العملي. فقد نزل قوله تعالى: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا﴾ «الإنسان: 8»
في قصة إطعام الإمام علي وفاطمة والحسن والحسين
للمحتاج.
كما قال الإمام الصادق
: «من قضى لأخيه المؤمن حاجة قضى الله له مائة حاجة».
هذا البعد الرسالي يجعل التطوع رسالة بناء لا مجرد أداء واجب.
ختامًا؛ إنّ مهارات التطوع في الجمعيات الخيرية هي توازن دقيق بين:
• القيم الإيمانية «الإخلاص، الرحمة، الإيثار»
• والمهارات المؤسسية «التخطيط، التواصل، إدارة الوقت، القيادة»
فالنية الصالحة تمنح العمل روحه، والمهارة تمنحه أثره.
وكلما اجتمع الإخلاص مع الكفاءة، تحوّل العمل الخيري من مبادرة محدودة إلى مشروع حضاري يصنع إنسانًا واعيًا ومجتمعًا متراحمًا.
















