كاش أو تأمين
في المستشفى، حين يسألك الطبيب: كاش أو تأمين؟ فهو غالبًا لا يسأل بدافع الفضول، بل ليحدّد إن كنت ضمن القائمة المرشّحة لما لذّ وطاب من التحاليل والأشعة والأدوية أم لا. لو قرصتك نملة وذهبت بلا تأمين، سيقال لك بكل بساطة: قرصة عابرة ولا تستحق شيئًا. لكن إن حضرت ولديك تأمين، فاعلم أن قرصة النملة قد تستدعي MRI ومنظار معدة وفحوصات للكبد والكلى والبنكرياس والمرارة… وربما أعضاء لم تسمع بها من قبل. والحجّة دائمًا جاهزة: «الاطمئنان أمر حسن». ثم تغادر المستشفى وفي يدك خيشة أدوية تكفيك وتكفي نسلك إلى قيام يوم الدين.
الحقيقة أن بين أزمات فلسطين وأوكرانيا وفنزويلا وسائر أزمات العالم، وبين طبيبٍ يمنح مريضًا أشعة MRI لا يحتاجها، علاقة لا تُرى بالعين بل تُبصر بالضمير. مشكلة الإنسان - كما أراها - تبدأ حين يتوهّم أنه يعيش بمعزل عمّا يجري حوله. الإنسان ليس جزيرة؛ هو قطعة في لوحة تركيب «Puzzle». هو وأخوه الإنسان يُتمّان الصورة النهائية: إمّا لوحة جميلة، أو لوحة رديئة. حين يسألك الطبيب: كاش أو تأمين؟ فربما يستحق أن يسمع كلمة توقظه من وهم «التجارة بالطب»، وتذكّره أنه طبيب لا مشروع رجل فاسد. الرضوخ الصامت لا يمرّ بلا أثر؛ إنه مشاركة في وضع قطعة صغيرة في لوحة رديئة. قد تبدو القطعة تافهة، لكن تكرارها من الناس هو ما يصنع في النهاية الصورة القبيحة كاملة. وليس بالتأكيد كل طبيب كذلك، لكن السكوت عن القليل حين يتكرّر هو ما يصنع الظاهرة. الآية الكريمة: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ تلخّص ذهنية شريحة واسعة من البشر: القعود عن المبادرة وانتظار أن يفعل غيرهم الصواب نيابةً عنهم. كأنها تقول بلسان الحال: افعل أنت، وأنا سأراقب من بعيد. وهنا يصبح في الآية درس إداري بليغ: الناس - في لحظات الاختبار - صنفان: متحرّك يصنع الفارق وإن كان ضئيلاً، وقاعد ينتظر النتيجة.
«كاش أو تأمين؟» سؤال خطير؛ ففي أحيان ليست قليلة هو استئذان مبطّن لبدء رحلة فساد. لا تظن - سيدي القارئ - أن عالمًا في الطب ينبغي أن يُوقَف له ويُوفّى التبجيل لمجرّد أنه طبيب. زُره في المستشفى، وخاطبه بلين واحترام، لكن أبقِ عينيك مفتوحتين. فإن سألك: كاش أم تأمين؟ فاعلم أنك أمام اختبار حقيقي: هل ترضخ لمنطق استنزاف شركات التأمين لتكون - بوعي أو بدونه - لبنة في أزمات أكبر؟ أم تقول له بوضوح: كفاك متاجرةً بالطب وبمصير هذه الدنيا.
















