الدكتورة منال الشاوي… ريادة في غدد وسكري الأطفال وبناء لجسور الوعي بين الطب والمجتمع

تمثل الدكتورة منال محمد الشاوي أحد الوجوه الطبية الرائدة في مجال طب الأطفال، وتحديدًا في تخصص الغدد الصماء والسكري لدى الأطفال، وهو تخصص يجمع بين الدقة العلمية العالية والحس الإنساني العميق. عبر مسيرتها الممتدة منذ تخرجها في مطلع الألفية، استطاعت أن تبني مشروعًا مهنيًا متكاملًا يقوم على ثلاثة أعمدة رئيسة: الرعاية السريرية المتقدمة، والتعليم الطبي، وخدمة المجتمع.
تخرجت الدكتورة منال في كلية الطب بجامعة الملك سعود عام 2001، ثم حصلت على البورد السعودي والبورد العربي في طب الأطفال عام 2007، وهو ما أرسى قاعدة صلبة لممارستها المهنية. ومع ازدياد اهتمامها بالحالات المعقدة المرتبطة بالنمو والبلوغ واضطرابات الهرمونات، التحقت ببرنامج دقيق في الغدد الصماء واستقلابها للأطفال في مدينة الملك فيصل التخصصية ومركز الأبحاث بالرياض، وأنهته عام 2014. وفي خطوة تعكس نظرتها الشمولية للعلاج، حصلت عام 2020 على اعتماد البورد الأمريكي والدولي في طب نمط الحياة، لتؤكد أن علاج السكري والسمنة واضطرابات الاستقلاب لا تعتمد على الدواء فقط، بل على تغيير السلوك الغذائي ونمط المعيشة وتمكين الأسرة.
في الممارسة السريرية، تعاملت مع طيف واسع من الحالات، بدءًا من السكري من النوع الأول، واضطرابات الغدة الدرقية، وتأخر النمو، واضطرابات البلوغ، وصولًا إلى الأمراض الوراثية النادرة. عُرفت بين المرضى وزملائها بالجمع بين الحزم العلمي والاحتواء الإنساني، وبقدرتها على تبسيط المفاهيم المعقدة للأطفال وذويهم، ما جعل عيادتها مساحة علاج وتعليم في الوقت نفسه.
ولأن المعرفة لا تكتمل إلا بنقلها، كان لها دور محوري في التعليم الطبي. شاركت في تدريب أطباء الامتياز والمقيمين، وأسهمت في تعليم زملاء المستقبل ضمن برنامج زمالة الغدد الصماء للأطفال. وجودها في الأنشطة الأكاديمية في أقسام الأطفال ومراكز السكري والمستشفيات المختلفة في الأحساء جعلها عنصرًا ثابتًا في حركة التطوير المهني، حيث تسهم بالمحاضرات، ومناقشة الحالات، وبناء ثقافة العمل الجماعي.
أما في البحث العلمي، فقد تولت مسؤولية باحث رئيسي في دراسات نوعية مهمة، من بينها دراسة التباين الظاهري لمرضى متلازمة وولكوت - راليسون الناتجة عن طفرة جينية محددة، إضافة إلى بحث حول نمط جيني فريد في النوع الأول بـ من نقص الاستجابة للألدوستيرون في مجتمع ترتفع فيه نسبة زواج الأقارب. مثل هذه الأبحاث تضع المنطقة على خريطة الدراسات الوراثية المتقدمة، وتفتح الباب أمام تشخيص أدق وخيارات علاجية أفضل. كما تشارك في عدة مشاريع بحثية مستمرة، ما يعكس استمرار عطائها العلمي.
وفي ميدان خدمة المجتمع، يتجلى أحد أهم أوجه تميزها. فقد أسهمت في تأسيس مشروع «المدارس الصديقة للسكري» بالشراكة مع وزارة التعليم، وهو مشروع رائد استمر أكثر من أربع سنوات، هدفه توفير بيئة تعليمية آمنة للطلاب المصابين، وتدريب الكوادر المدرسية على التعامل مع الحالات الطارئة. كما كان لها دور بارز في تفعيل اليوم العالمي للسكري في المدارس، وإقامة المعارض والبرامج التوعوية، والمشاركة في مبادرات وزارة الصحة المختلفة، من الفحص المبكر لحديثي الولادة إلى برامج التغذية الصحية والتطوع الوطني.
امتد عطاؤها التوعوي إلى التأليف، حيث وضعت بين يدي الأسر العربية مصادر مبسطة وعلمية في الوقت ذاته. من هذه المؤلفات كتاب «لنتعلم مع عمو سكر» الموجّه للأطفال لفهم مرض السكري بطريقة ودية، و«المرجع في حساب الكربوهيدرات» الذي يساعد العائلات ومقدمي الرعاية على ضبط الجرعات بدقة، إضافة إلى كتاب حول السمنة لدى الأطفال، وأطلس العمر العظمي الشعاعي الذي يخدم الأطباء في تقييم النمو. هذه الكتب تمثل جسرًا بين المعرفة التخصصية والاحتياج المجتمعي.
كما حضرت الدكتورة منال متحدثة في العديد من المؤتمرات والندوات وورش العمل، متناولة موضوعات مثل العلاج بالمضخات، والتوعية بالسكري في رمضان، وتثقيف مقدمي الرعاية الصحية حول السكري من النوع الأول، وموضوعات القدم السكرية، وصحة الطفل العامة. هذا الحضور العلمي يعكس ثقة المؤسسات بعمق خبرتها وقدرتها على التأثير.
تحمل كذلك عضويات متعددة في الجمعيات المهنية، وتشارك في لجان متخصصة، منها لجنة مضخات الإنسولين في الأحساء، إضافة إلى مساهماتها في مراجعة الكتب والمنشورات العلمية بالتعاون مع الجهات الصحية. هذه الأدوار تعزز موقعها كشخصية قيادية في الحقل الطبي.
إن مسيرة الدكتورة منال الشاوي ليست مجرد تراكم شهادات أو مناصب، بل هي رحلة التزام طويل تجاه الطفل والأسرة والمجتمع. استطاعت أن تصنع نموذجًا للطبيب الذي يعالج ويعلّم ويبحث ويكتب ويقود المبادرات، تاركة أثرًا مستمرًا يتجاوز حدود الزمن والمكان.
















