ما قبل القدوم المبارك
فهم حقيقة الضيف الكريم وما يحمله من مكتسبات روحية وأخلاقية وتربوية يدفع نحو استقبال يليق بشأنه ومكانته العالية، فلا نبالغ إذا قلنا أن إرهاصات ولادة جديدة للإنسان سيبزغ فجرها مع إطلالة موعد إلهي لصناعة الإنسان المتكامل، بما يتوافق مع كرامته وعزته فيشقّ طريق السعي الحثيث في ميادين الحياة وبناء علاقاته بنحو متوازن، وهذه الصورة الذهنية الدقيقة والواضحة لشهر الكرم والرحمة الإلهية تساعد على تهيئة واستعداد نفسي وعقلي واغتنام للأوقات، حيث تتحول تلك الساعات المباركة للشهر الكريم إلى محطات عمل ومثابرة في طريق الخير والأعمال الصالحة.
من تلك الآفات العقلية واللوثات النفسية التي تداهمنا هي تحويل مناسبة قدوم شهر رمضان إلى مجرد دورة زمنية متكررة في كل عام كبقية الظواهر الزمنية، فيتبلّد الوجدان وتضعف الهمم من التعامل بجدية ومثابرة مع ميدان اختبار حقيقي، فمتى ما جاء وقت الحصاد والوصول إلى نهاية المطاف واختتام دورة الدرة الزمانية «شهر رمضان» يرى على دكة المحاسبة ما أدّاه وعمله وما تحصّل عليه من مكتسبات، وتغيب عن الإنسان حينئذ المنحة الإلهية لتحقيق التكامل وروح التقوى والمنعة الروحية المضادة للسقوط في أتون الأهواء والرذائل الأخلاقية، فالشهر الكريم موعد إلهي مقصود أراده الله تعالى أن يكون محطة كبرى لإعادة تشكيل الإنسان في باطنه قبل ظاهره وفي سريرته قبل علانيته، فيتعامل المرء ببصيرة مع الدور المناط به في هذه الدورة الزمنية والمعطيات والأهداف والمخرجات المرجوة منه، فهذا زمن إعادة التشكيل والبناء الروحي والأخلاقي وتغذية النفس بالذكر الإلهي والمناجاة وتلاوة القرآن الكريم، وليست هي مجرد قراءة ألفاظ يُرجى منها الثواب فقط بل هي قراءة تمعّن وتأمّل، فينظر لهذه الجلسة القرآنية كأنما يستخرج لآلئ من المضامين والتوجيهات الإلهية، فالشهر الكريم في صورته المتكاملة موسم مراجعة المصير والدور الوظيفي المناط قبل الرحيل، فكم من إنسان عاش على وجه البسيطة بروح الغفلة والجهالة ويخرج منها دون أن يدرك حقيقة وجوده المكرّم في عقله وسلوكه.
والشهر الكريم محراب تصفية تُنقّى فيه القلوب من المشاعر السلبية تجاه الآخرين كما تُنقّى المعادن في أتون النار، وهذا ما يلقي الضوء على الأبعاد المتعددة للشهر الكريم كالجانب الاجتماعي والفكري في طريق بناء النفس القوية والمنيعة، حيث أن البعض يقصر معنى الصوم المطلوب ويختزله في مجموعة المفطرات بالمعنى الفقهي الخاص، دون أن يسمح لنفسه بالاطلاع على تلك الروايات الكثيرة الواردة في بيان مضامين ومقاصد شهر رمضان، والداعية إلى حفظ النفس من التلوث بالشوائب والمعايب التي تجرح الصوم، وجانب الخلافات والخصومات على النطاق الأسري والاجتماعي تمنع من قبول الأعمال ومنها صوم الشهر الكريم وتبعثر أعماله الصالحة فيه.
















