حطّها برأس عالم
يردد آباؤنا وأجدادنا رحمهم الله مثلًا خليجيًا شائعًا..«حطّها برأس عالم واطلع سالم»
وهو مثلٌ يبدو في ظاهره معقولًا؛ إذ تقوم السيرة العقلائية على رجوع غير المتخصص إلى المتخصص، فنحن نقلّد الفقيه في أحكامنا الشرعية، ونراجع الطبيب في شؤون صحتنا، ونلجأ إلى الميكانيكي عند تعطل السيارة، هذا السلوك بحد ذاته ليس محل إشكال، بل هو ضرورة عقلية وتنظيمية.
غير أن الإشكال يبدأ حين يتحول هذا المبدأ من رجوعٍ واعٍ إلى الخبرة إلى تعطيلٍ كامل للضمير والمسؤولية الشخصية، ففي شؤون الطب مثلًا، إذا شخّص لك طبيب عملية جراحية خطيرة، فمن الطبيعي أن تطلب رأيًا ثانيًا، لا تشكيكًا بالعلم، بل طلبًا للاطمئنان لا سيما مع تعدد المدارس الطبية، وكذلك في الميكانيك، قد تبحث عن رأيٍ آخر، اتقاءً للمبالغة في الأجرة أو لاحتمال الخطأ في التشخيص، فالرجوع إلى الخبير لا يعني تعطيل العقل، بل تشغيله في موضعه.
لكن الحساسية تبلغ ذروتها حين نصل إلى المسائل الشرعية والمالية، هنا يُقال لنا.. لا مجال لإعمال الرأي، ولا مكان للاطمئنان الشخصي، فالتقليد هو الطريق، والفتوى تكفي، غير أن السؤال الذي يُقصى غالبًا هو:
هل يكفي الحكم الشرعي المجرد ليُسقط المسؤولية الأخلاقية؟
لنفكّر في مثال واقعي صارخ.. الدينار العراقي.
في منتصف سبعينات القرن الماضي، كان الدينار العراقي يساوي نحو 2.8 دولار، وكان من أقوى العملات في المنطقة، ثم مرّ العراق بتحولات سياسية واقتصادية عميقة أفقدت العملة قيمتها، حتى أصبح الدولار اليوم يعادل نحو 1313 دنانير عراقية.
لو أن شخصًا اقترض في السبعينات ألف دينار عراقي - أي ما يعادل حينها 2800 دولار - ثم أراد اليوم أن يسدد الدين بالقيمة الاسمية نفسها، فإن الألف دينار لا تساوي اليوم حتى دولارًا واحدًا … بل لا تشتري حتى علبة سجائر.
فقهيًا، قد يجد من يفتي له بجواز السداد الاسمي وفق مبنى «المثليّات» لكن السؤال الأخلاقي يفرض نفسه بقوة:
هل هذا عدل؟
وهل يُعقل أن تُمحى خسارة هائلة بهذا الشكل لمجرد التمسك بالرقم؟
إذا قيس المبلغ آنذاك بالذهب، نجد أنه كان يعادل قرابة 870 غرامًا، أي ما يساوي اليوم عشرات آلاف الدولارات، وإذا قيس بالقوة الشرائية، فالفجوة أوسع من أن تُنكر، هنا لا نتحدث عن فروق طفيفة، بل عن انهيار شبه كامل للقيمة.
في مثل هذه القضايا، يلجأ بعض الناس إلى محاضرة أو فتوى أو رأي فقهي - كهذا المقطع لسماحة السيد صباح شبر حفظه الله في هذا الباب -
فيطمئن إلى براءة ذمته، ويغلق الملفّ! لكن السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه هو..
هل الفتوى وُجدت لتكون مخرجًا نفسيًا، أم ميزانًا للعدل؟
وهنا أقولها بوضوح، حتى لا يُساء الفهم.. أنا لا أهاجم الفقه، بل أرفض اختزاله إلى كبسولة لتهدئة الضمير.
الفقه وظيفةُ بيان الحكم، لا إعفاء الإنسان من مسؤوليته الأخلاقية، ولا تحويل الدين إلى مجموعة مخارج شكلية كثير من الفقهاء أنفسهم يفرّقون بين براءة الذمة شرعًا، وكمال الذمة أخلاقًا.
فالحيرة إذن حقيقية:
أهو العدل في التمسك بالرقم؟
أم في مراعاة القيمة؟
أم أن الطريق الأسلم - في مثل هذه النزاعات - هو روح التصالح.. لا طمع من الدائن، ولا بخس من المدين، بل تسوية تراعي تغيّر الزمان، وحال الطرفين، ومبدأ «لا ضرر ولا ضرار» [1] .
من هنا، تبدو عبارة «حطّها برأس عالم واطلع سالم» بحاجة إلى إعادة ترتيب، لا إلغاء.. خلّ ضميرك سالم… تالي حطّها برأس عالم.
















