آخر جمعة من شعبان: كيف نستقبل رمضان كما ينبغي؟
اللحظات الأخيرة من المواسم العبادية ليست أوقاتًا عادية؛ إنها محطات مراجعة، واستدراك، وتهيئة للروح قبل الدخول في مرحلة أعلى من القرب.
مع اقتراب شهر رمضان، يقف الإنسان المؤمن على عتبة زمنٍ مختلف، زمنٍ تتبدل فيه المقاييس، وتُفتح فيه أبواب السماء على نحوٍ أوسع، ويصبح القلب فيه أكثر قابلية للنور إن هو أحسن الاستعداد. والسؤال الذي يتكرر كل عام: كيف ندخل رمضان دخول المستفيد لا دخول العابر؟
من أبلغ ما أُثر في رسم ملامح هذا الاستعداد ما رواه أبو الصلت الهروي عن الإمام علي الرضا
كما نقله العلامة عباس القمي في مفاتيح الجنان، حين دخل عليه في آخر جمعة من شعبان. كلمات قليلة في عددها، عظيمة في محتواها، لكنها لو طُبقت لصنعت إنسانًا جديدًا قبل أن يبدأ رمضان.
هذا الحديث ليس موعظة، بل منهج انتقال من حال إلى حال.
يبدأ الإمام بعبارة توقظ الإحساس بالزمن: «يا أبا الصلت، إن شعبان قد مضى أكثره، وهذه آخر جمعة فيه».
هنا يضعك الإمام أمام الحقيقة التي نهرب منها دائمًا: الوقت يمضي، والمواسم لا تنتظر، والعمر كذلك. الإنسان كثيرًا ما يؤجل التوبة والعمل بحجة أن أمامه متسعًا، لكن حين يسمع ”هذه آخر جمعة“، يتحول الشعور من التراخي إلى المسؤولية.
إنها دعوة لعدم الاغترار بطول الأمل.
بعد التنبيه لا يترك الإمام القلب في القلق، بل يفتح له باب الحركة: «فتدارك فيما بقي تقصيرك فيما مضى منه».
يا لها من كلمة عظيمة؛ التدارك يعني أن ما تبقى يكفي لإنقاذ الكثير. في منطق الله، الجودة تغلب الكثرة، والصدق يغلب الامتداد الزمني. قد تعيش شهرًا كاملاً في غفلة، ثم تغيّر ساعة صادقة اتجاهك كله.
يضيف الإمام: «وعليك بالإقبال على ما يعينك».
كم من عمل نتعب فيه لكنه لا يرفعنا خطوة واحدة. المطلوب هو ما يعين على النجاة، ما يلين القلب، ما يقرب من الله، ما يرمم الداخل. إنها دعوة لانتقاء الطاعات ذات الأثر، لا الطقوس الفارغة.
ثم يحدد أدوات الإصلاح بوضوح: «وأكثر من الدعاء والاستغفار وتلاوة القرآن».
هذه ليست عبادات منفصلة؛ إنها عملية إعادة بناء شاملة.
الدعاء يعيد تعريف علاقتك بالله على أساس الفقر والاحتياج. الاستغفار يمسح تراكمات الذنب التي تثقل الروح. القرآن يعيد تشكيل الوعي ويصحح الاتجاه.
ومع كثرتها، يبدأ القلب بالشعور بالخفة، وكأن الغبار يتساقط عنه.
يقول الإمام: «وتب إلى الله من ذنوبك ليقبل شهر رمضان إليك وأنت مخلص لله عز وجل».
الجميل في العبارة أن القبول ليس لك فقط، بل للشهر أيضًا. كأن رمضان زائر كريم، يحتاج إلى بيتٍ نظيف ليستقر فيه. فكيف يستقر النور في قلبٍ لم يتهيأ له؟
يتابع الإمام: «ولا تدعن أمانة في عنقك إلا أديتها».
أي لا يمكن أن تطلب رحمة السماء وأنت تحبس حقوق الناس. تصفية الذمم جزء من التهيئة الروحية. فالمظالم حجب، والعدل يفتح الطريق.
ثم ينتقل إلى الداخل: «ولا في قلبك حقدًا على مؤمن إلا نزعته».
الحقد نار صامتة، لكنها تحرق الأعمال قبل أن تصل. إن نزع الضغينة ليس عملًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة روحية لمن يريد أن يتلقى فيض رمضان.
يقول الإمام: «ولا ذنبًا أنت مرتكبه إلا أقلعت عنه».
التوبة المؤجلة غالبًا لا تأتي. لذلك يربّي الإمام النفس على القرار الفوري؛ أوقف النزيف قبل دخول الشهر، حتى تبدأ رمضان وأنت في حالة صعود لا صراع.
ويؤكد: «واتق الله وتوكل عليه في سرائرك وعلانيتك».
التقوى ليست صورة اجتماعية، بل انسجام داخلي. حين يكون السر كالعلن، يتحول الإنسان إلى كيان صادق، قابِل للترقي.
ثم يزرع الاطمئنان: «ومن يتوكل على الله فهو حسبه».
أي إن الصعوبة ليست عذرًا، لأن المعونة الإلهية مضمونة لمن صدق. الله لا يترك من بدأ.
ويختم الإمام بالدواء الذي يحتاجه كل مقصر:
«اللهم إن لم تكن غفرت لنا فيما مضى من شعبان فاغفر لنا فيما بقي منه».
ما أوسع هذا الباب! حتى إن تأخرت، حتى إن قصرت، حتى إن تراكمت عليك الأيام، ما دام في العمر بقية، فالمغفرة ممكنة.
لماذا هذا الرجاء العظيم؟
الجواب في الخاتمة المضيئة: «فإن الله يعتق في هذا الشهر رقابًا من النار لحرمة هذا الشهر».
أي أن العتق جارٍ، والرحمة نازلة، والسؤال هو: هل تضع نفسك في طريقها؟
ماذا تصنع هذه الوصايا في الإنسان؟
إنها تنقله من مسلمٍ ينتظر رمضان، إلى عبدٍ يصنع أهليته لرمضان؛ تنقله من عادة سنوية، إلى يقظة روحية.
ومن حزن على الماضي، إلى عمل في الحاضر.
هكذا تتحول آخر جمعة من شعبان إلى ورشة إصلاح عاجلة، وإلى بداية جديدة قد تغيّر المصير كله.
هذا الحديث لا يقدم موعظة عابرة، بل خطة متكاملة: إصلاح مع الله، وتصحيح مع الناس، وقرار داخلي بفتح صفحة جديدة. من يعمل بهذه الوصايا لا يدخل رمضان كما دخل الأعوام الماضية، بل يدخل بروحٍ أكثر خفة، وقلبٍ أكثر صفاء.
















