غصن إبراهيم
قلمُ رصاصٍ شعارُنا في رمضان. نكتب ونمحو ما كتبنا.
نكتب كلَّ ما في صدورنا من أحقادٍ أو زعلٍ أو غِلٍّ تجاه إخوتنا أو أبنائنا أو زوجاتنا أو أصدقائنا، ونكتب كلَّ مظلمةٍ لكلِّ شخصٍ في أعناقنا. نكتب بالأسماء، شخصًا شخصًا، وندوّنهم بقلمنا الرصاص.
نكتب لأن الكتابة مواجهة، ومواجهة النفس أول أبواب الإصلاح.
حين تكتب اسم من خاصمته، تشعر بثقل الحرف، وحين تكتب اسم من ظلمته، يرتجف الضمير.
الورقة لا تجامل، والقلم لا يكذب.
رمضان ليس شهر الجوع والعطش فقط، بل شهر مراجعة الحسابات.
شهر إعادة ترتيب القلب قبل ترتيب المائدة. شهر نبحث فيه عن العفو كما نبحث عن الإفطار.
ننظر إلى قائمتنا الطويلة…
هذا أخٌ انقطعت عنه، وهذا صديقٌ أخطأت في حقه، وهذه كلمةٌ قاسية خرجت في لحظة غضب، وهذا وعدٌ لم أفِ به.
كلهم مكتوبون أمامي.
لكن الجميل في قلم الرصاص أنه لا يكتب للأبد.
هناك ممحاة تنتظر قرارًا شجاعًا.
أمسك الممحاة، وأبدأ بالمحو.
أمحو كلمة ”لن أسامح“، وأكتب ”عفوت لوجه الله“.
أمحو ”هو المخطئ“، وأكتب ”سأبادر“.
أمحو ”الكرامة تمنعني“، وأكتب ”التواضع يرفعني“.
ما أجمل أن نمحو قبل أن تُمحى أيام رمضان من أعمارنا.
ما أجمل أن نصل العيد وقد خفَّت قلوبنا من الأثقال.
فلا صيام يكتمل وقلبٌ ممتلئ بالضغائن، ولا قيام يزهر وخصومةٌ تسكن الصدر.
قلم الرصاص يعلّمنا درسًا عظيمًا:
أن الخطأ وارد، لكن الإصرار عليه هو الخطأ الأكبر.
وأن العودة فضيلة، وأن الاعتذار قوة، وأن الصفح تجارة مع الله لا تخسر أبدًا.
فلنكتب في رمضان صفحةً جديدة، ولنمحُ ما أثقل أرواحنا، ولنجعل من هذا الشهر محطة تصحيح، لا محطة تكرار.
قلمُ رصاصٍ شعارُنا في رمضان…
نكتب لنحاسب أنفسنا، ونمحو لنطهّر قلوبنا، ونبدأ من جديد.
















