حين يتكلم المجتمع: كيف نفهم اللغة اليومية؟
لا يتكلم المجتمع بصوت واحد، لكنه يتكلم دائمًا، وبصيغ متعددة تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية. يظهر هذا الصوت في الكلمات التي نكررها دون تفكير، وفي العبارات الجاهزة التي نستخدمها لتفسير الواقع، وفي الأمثال الشعبية التي نحسبها حكمة متوارثة. فالمجتمع لا يفرض قيمه فقط عبر القوانين أو المؤسسات، بل يمررها عبر اللغة، ويجعلها مألوفة إلى حد يصعب معه التشكيك فيها.
اللغة اليومية ليست وسيلة بريئة للتواصل، بل نظام رمزي يحمل داخله تصورات عن الصواب والخطأ، والمقبول والمرفوض، والممكن والممنوع. حين نقول: هكذا جرت العادة أو هذا ما يريده الناس، فإننا لا نصف واقعًا فحسب، بل نعيد إنتاج خطاب يمنح هذا الواقع شرعية ويغلق باب التفكير في بدائل أخرى. وبهذا تتحول اللغة إلى أداة ضبط ناعمة، تمارس السلطة دون أن تعلن عنها.
فهم المجتمع يبدأ بالانتباه إلى ما يقال وما لا يقال. فالصمت ليس فراغًا، بل دلالة على موضوعات محظورة أو أفكار تم إقصاؤها خوفًا من الرفض الاجتماعي. كما أن تكرار العبارات ليس صدفة لغوية، بل آلية لترسيخ قيم بعينها وإعادة إنتاج الهيمنة الرمزية. لذلك يصبح السؤال ضرورة نقدية: لماذا تقال هذه الجملة بهذه الصيغة؟ ومن المستفيد من استمرار تداولها؟
الوعي باللغة اليومية هو الخطوة الأولى لتفكيك الخطاب السائد.
فعندما ندرك أن الكلمات تشكل وعينا بقدر ما تعبر عنه، نصبح أكثر قدرة على قراءة ما وراءها، والتمييز بين ما هو مفروض اجتماعيًا وما هو اختيار فردي. بلاغة التكرار تكشف أن اللغة تصنع الواقع، لا تعكسه فقط.
ومن هنا يبدأ التفكير الحر، من مساءلة الكلمات قبل إعادة إنتاجها بلا وعي، وتحويل الكلام من ممارسة تلقائية إلى فعل نقدي واع، يفتح أفق الحوار، ويعزز المسؤولية، ويمنح الإنسان قدرة أكبر على الاختيار، والمشاركة، وصناعة معنى اجتماعي أكثر عدلًا، ووعيًا، وإنسانية، وانفتاحًا على المستقبل، دون الخضوع التلقائي لسلطة اللغة الموروثة، أو الاستسلام لسطوة التكرار اليومي، الذي يحوّل الكلام إلى أداة طاعة، بدل أن يكون مساحة تفكير، ونقد، وتحرر، ومساءلة، وبناء وعي جمعي أكثر نضجًا وحرية ومسؤولية.
















