آخر تحديث: 13 / 2 / 2026م - 1:37 ص

التغافل… سرّ البيوت التي تدوم

سامي آل مرزوق *

ليست البيوت الهادئة تلك التي تخلو من الخلافات، ولا العلاقات الناجحة هي التي لم تعرف يوما اختلافا أو سوء فهم، فالحياة المشتركة بطبيعتها مساحة للاحتكاك اليومي، وتبادل الطباع، واختبار الصبر قبل الحب، ما يميز بيتا عن آخر، وزواجا عن غيره، ليس غياب الأخطاء، بل طريقة التعامل معها، ولا قوة الصوت، بل حكمة التوقيت، ولا كثرة الجدال، بل القدرة على اختيار المعارك التي تستحق أن تخاض.

كثيرون يظنون أن الصراحة المطلقة هي الطريق الأقصر للاستقرار، وأن كل ما يشعر بالضيق يجب أن يقال فورا، وأن كل تقصير يستدعي مواجهة، لكن التجربة الإنسانية الطويلة أثبتت أن بعض الصراحة قاسية، وبعض المواجهات هدامة، وبعض الكلمات وإن كانت صحيحة تأتي في غير وقتها فتجرح أكثر مما تصلح.

في العلاقات الزوجية، يصبح التعايش الحقيقي مرهونا بقدرة الطرفين على فهم بعضهما لا على محاكمة بعضهما، وعلى حماية المشاعر لا على الانتصار للنفس، وهنا يظهر مفهوم بالغ العمق، غالبا ما يساء فهمه، أو يختزل في صورة ضعف بينما هو في الحقيقة قمة النضج والاتزان: التغافل.

التغافل ليس هروبا من المشكلة، ولا تجاهلا للكرامة، ولا دفنا للألم، بل مهارة نفسية راقية، يمارسها العاقل حين يدرك أن الحفاظ على استقرار البيت أهم من تسجيل النقاط، وأن كسب القلب أولى من كسب الجدل، وأن دوام الود يحتاج إلى صمت أبلغ من ألف كلمة.

التغافل في الحياة الزوجية هو فن الاختيار؛ اختيار ما يقال وما يترك، ما يناقش الآن وما يؤجل، وما يحتمل حفاظا على العلاقة، لا خوفا أو خنوعا. هو إدراك عميق أن الشريك ليس خصما في معركة، بل رفيق طريق، وأن المبالغة في التدقيق تتعب القلوب، وتحول التفاصيل الصغيرة إلى أزمات كبيرة.

كثرة العتاب تستهلك المشاعر، والإفراط في الحساب يضعف المودة، والملاحقة المستمرة للأخطاء تخلق بيئة مشحونة لا تشبه البيت الآمن الذي يفترض أن يكون ملجأ لا ساحة توتر. في المقابل يتيح التغافل مساحة للتنفس، وفرصة للمراجعة الذاتية، ووقتا لتهدئة المشاعر قبل انفجارها.

كم من علاقة بدأت قوية، ثم تآكلت ببطء، لا بسبب خيانة أو أزمة كبرى، بل بسبب كلمة أسيء فهمها، أو نبرة صوت لم يتم تجاوزها، أو موقف عابر تم تضخيمه حتى صار شرخا. وكم من بيت كان يمكن إنقاذه لو أن أحد الطرفين اختار أن يتجاوز، لا لأن الخطأ بسيط بالضرورة، بل لأن الحب أكبر من أن يستنزف في كل مرة.

التغافل لا يعني القبول بالإهانة، ولا التعايش مع الظلم، ولا السكوت عن التجاوزات الجسيمة، فهناك حدود لا يطلب من الإنسان أن يتخطاها على حساب ذاته، لكنه يعني التفريق بين ما يمس الجوهر وما يمس العارض، بين الخطأ المتكرر الذي يحتاج إلى وقفه، والهفوة العابرة التي يكفها التجاهل الحكيم.

الزوج الحكيم يدرك متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يترك للموقف أن يهدأ قبل أن يعلق عليه، والزوجة الواعية تعرف أن بعض الردود، وإن كانت مستحقة، قد تشعل نارا لا داعي لها، وأن الهدوء أحيانا رسالة أقوى من المواجهة.

في بيت يمارس فيه الطرفان التغافل بوعي، يشعر كل شريك بالأمان لا بالترقب، وبالاحتواء لا بالمراقبة، وبالطمأنينة لا بالخوف من الخطأ. هذا الشعور بالأمان ينعكس تلقائيا على سلوك الشريك، فيقل التوتر، ويزيد الحرص، وتصبح الرغبة في الإصلاح نابعة من الداخل لا مفروضة من الخارج.

والأهم من ذلك، أن هذا المناخ الهادئ يمتد أثره إلى الأبناء، فيكبرون في بيئة لا تتحول فيها كل شرارة إلى حريق، ولا كل اختلاف إلى صراع، بل يتعلمون أن العلاقات الصحية تدار بالحكمة، وأن الحب ليس صراخا ولا عنادا، بل احتراما وتفهّما. التغافل في جوهره، رسالة غير منطوقة تقول: ”أنا أراك، وأفهمك، وأختارك، رغم كل شيء“، وهي رسالة كفيلة بأن تبني ما لا تبنيه ألف موعظة أو نقاش طويل.

في زمن تسارعت فيه الإيقاعات، وازدادت الضغوط، وصار الجميع أكثر حساسية وحدة، باتت الحاجة إلى التغافل في الحياة الزوجية ضرورة لا خيارا، ليس كل ما نراه يستحق تعليقا، وليس كل ما نسمعه بحاجة إلى رد، وليس كل إحساس بالضيق علامة على خلل عميق.

التغافل لا يتقنه إلا من نضج قلبه وعقله، ومن فهم أن الزواج رحلة طويلة، لا تقاس بلحظة غضب ولا بكلمة عابرة، بل بما يتبقى من مودة بعد سنوات من المشاركة. هو قرار يومي بالاختيار، اختيار الهدوء حين يكون الانفعال أسهل، واختيار الرحمة حين يكون العتاب حاضرا على اللسان.

حين يسكن التغافل البيوت، تطول العشرة، وتستقر النفوس، وتظل المودة حية، لأن العلاقة لا تُدار بمنطق المكسب والخسارة، بل بمنطق الشراكة والرعاية، وحين يفهم الزوجان أن الزواج ليس ساحة لإثبات الصحة، بل مساحة لحماية الحب، يصبح التغافل لغة مشتركة، لا ضعفا ولا تنازلا. فهل نريد أن ننتصر في كل جدال، أم نريد أن نربح البيت بما فيه، ففي كثير من الأحيان، يكون التغافل هو الانتصار الأذكى، والربح الأعمق، والطريق الأصدق لبيوت هادئة تدوم.

حين يسكن التغافل البيوت، تطول العشرة، وتستقر النفوس، وتظل المودة حية، لأن العلاقة لا تدار بمنطق المكسب والخسارة، بل بمنطق الشراكة والرعاية. وحين يفهم الزوجان أن الزواج ليس ساحة لإثبات الصحة، بل مساحة لحماية الحب، يصبح التغافل لغة مشتركة، لا ضعفا ولا تنازلا.