التسويق الأخلاقي الراقي لرموز الإنسانية الأطهر في الفضاء الرقمي
تعكس قضايا الفضائح الأخلاقية التي عصفت وتعصف بدول متقدمة كثيرة، وبدافع المصالح الشخصية والابتزاز وإشباع النزوات النفسية والجنسية والرُّشى وصراع السلطة والنفوذ، انهيارًا في منظومة القيم الأخلاقية والحوكمة والرقابة والشفافية. شهد العالم في الفترة الأخيرة فضائح فساد أخلاقية وسياسية ومالية كبرى متتابعة هزت مؤسسات دولية وشركات عملاقة ومجتمعات دول ديمقراطية مختلفة، تضمنت رُشًى، واستغلال نفوذ، وابتزازًا، وتحرشات، واعتداءً على أطفال قُصَّر، وتجارة بشرية، وتجارة أعضاء بشرية، وإشعال حروب، ونشر أوبئة، وتحريض. أبرزها كما نقلت بعض الصحف: فضائح فساد منظمة الفيفا الرياضية، وفضيحة انبعاثات سيارات فولكس فاجن، وتسريبات بنما، وفضيحة شركة إنرون، وفضيحة كامبريدج أناليتيكا مع فيسبوك، والتسريبات الأخيرة عن إحدى الجزر سيئة السمعة في إحدى دول الغرب الكبرى.
هل هذه الفضائح السوداوية المترادفة جعلت أو تجعل الأغلب من الناس العاديين فاقدين للأمل وقانطين من رحمة الله، أم أنها إشارة نحو الاقتراب أكثر فأكثر نحو بزوغ فجر الأمل وتصحيح مسار الإنسانية واللجوء إلى الله وتلمس رحمته؟ وهل تلك الفضائح المتلاحقة جعلت البعض أكثر بصيرة ووعيًا عما دار ويدور من نفاق وخلط أوراق وازدواجية معايير، أم أنها جعلت البعض أكثر غباءً في استيعاب أبسط الحقائق في التمييز بين أعداء الإنسانية وأهل الإنسانية؟
في الوقت الراهن، وبكل ثقة وحماس يتصدر أناس عدة حملة إعلانات رقمية وغير رقمية يقولون عبر مقاطع فيديو ما مفاده: لا تفوت الفرصة لجني أموال طائلة عبر نشر محتوى مصور وتعلم إجادة استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي. هذا ما شاهدته خلال تصفح عدة مقاطع فيديو لمشاهير وسائل التواصل الاجتماعي وصنّاع المحتوى. شخصيًا أرى أن مجال الذكاء الاصطناعي مجال رحب وخلاق، وأشجع على الاستفادة من آفاقه الصحيحة بكل قوة وحماسة وموضوعية. إلا أن تسويق البعض لفكرة جني الأموال عبر استخدام الجوال في صنع محتويات هابطة ونشر محتوى صور ومقاطع فيديو أخذ في الانتشار بشكل ملفت ومتنوع ويثير أحيانًا علامات استفهام.
هل النداء حقيقة أن أولئك المسوقين يسعون لجعلك ثريًا، أم أنهم يمررون عبرك أجندات رقمية ونماذج سلوكية تُمكّن آخرين من السيطرة والتمدد الرقمي والتهكير المعلوماتي وتغييب الوعي؟
للمقارنة، لعل أشهر قصة عن الترويج المختلق في إحدى دول الغرب، والتي لم يسمع عنها إلا القليل من الناس، هي قصة تسويق صورة لجني أرباح طائلة. والواقع أن الصورة آنذاك هي صورة لأول امرأة تجردت من ملابسها بالكامل أمام عدسة الكاميرا، وانتشر بيع صورتها عبر حقوق الطبع في عدة مناطق حول العالم، وحققت الصورة عوائد مالية كبيرة لمالكها بعد إعادة طباعتها بمكاسب فاقت آلاف المرات لصورة واحدة.
فانطلقت بعد ذلك حملة تسويقية مسعورة لذلك النموذج اللاأخلاقي من التجارة بالصور والمنتجات عبر الترويج بالصور الإباحية، وتلتها ثقافة البورنو «العراة»، ومن ثم تشكيل ثقافة نوادي وشواطئ ومواقع إلكترونية و«بائعات الهوى»، تحت مسمى التجارة الحرة وحرية الجسد، وشعار «جسدي حريتي» والتكسب من ذلك كله. ووصل الحد بأغلبية ساحقة من بعض سكان بعض البقع الجغرافية في العالم إلى عدم ممانعتهم بأن يتولى أمرهم من يجاهر بالرذيلة وانعدام الحياء وانتفاء الأخلاق، طالما تدر عليهم تلك الأمور معاشهم.
حتى انفجرت حديثًا قضية الجزيرة الملعونة، وانصدم كل سكان المعمورة بحجم الخزي الذي انحدر إليه مرتادوها؛ وكان أحد أكثر نجومها هو ذاك الذي ترأس قومه ردحًا من الزمن وكان يقارف الأفعال الشنيعة بصور يندى لها جبين الإنسانية.
هنا يقف الإنسان ذو القيم والدين والمسؤولية والأخلاق في مفترق الطرق: أمالٌ حلال عبر موارد وسبل مشروعة دينًا وعرفًا وأخلاقًا، أم مال حرام مسهل تجاريًا ومسوق له رقميًا؟
جملة اعتراضية: الصحافة العالمية والمتنفذة عالميًا تشن حملات مستمرة ومستعرة في تشويه ديانة مرتكب أي سلوك، حتى لو كان عراكًا بالأيدي أو سلوكًا طائشًا من شاب متهور، بأن تصف دينه بالإرهاب والإذلال للنساء وقمع الحريات واستعباد الأطفال… إلخ. ولكن الغريب أننا لم نسمع أي تنديد أو تشويه لديانات مرتكبي الفضائح المذكورة، لاسيما صاحب الجزيرة سيئة السمعة، لا من قريب ولا من بعيد. أليس هذا الأمر مثيرًا للانتباه ويجب تحصين النفس من تبعاته؟
كمية الوثائق المنشورة حتى الساعة عن فضائح الجزيرة سيئة السمعة في إحدى دول الغرب، والفضائح الأخرى كتسريبات بنما وإنرون، نمّت وتنمّ عن سقوط أخلاقي فظيع لجزء كبير ممن يدّعون انتسابهم للبشرية، حيث ترأس بعضهم مراكز إحداث تأثير وصنع قرار في مجالس الأمم المتحدة والبنوك الفدرالية والأعمال السينمائية وعالم الفن وصناعة الأزياء وقرار انطلاق الحروب… إلخ.
الإنسان بصير على نفسه في الاقتداء بمن يريد الاقتداء به، ولن يجدي في نهاية المطاف أن يبرر للآخرين بأي تبرير أنه وقع في السقوط للهاوية. وعليه، فالإنسان الحريص يمحص مواقفه ويعيد حساباته ويدقق في منطقه وتفكيره، ويسعى جادًا في انتقاء المصادر النظيفة وتجنب المصادر الملوثة للمال والفكر كما للشرب والأكل والغذاء الروحي والعقائدي والأخلاقي والسلوكي والاجتماعي.
الشهرة الإعلامية أو تصدر شاشات التلفاز وعلو المراكز الوظيفية لا تخدع الإنسان الحصيف في تمحيص القدر الأمثل لبلوغ رضا الله وكسب الدارين.
في عالم اليوم، الإنسان العاقل لا يحتاج أن يُستدرج في حروب كلامية أو ملاسنات إلكترونية أو حفلات شتم غوغائية أو تلاعن متبادل أو مهاترات متعددة أو اختلاق عداوات أو إثارة كراهية أو صنع نبذ للآخرين أو إضرام نارِ جلافة أو التشهير بأتباع ديانة ما؛ الإنسان العاقل كل ما عليه الآن هو تسويق النموذج الأخلاقي الأمثل الذي يملكه في تراثه الأخلاقي، والتسويق له بالقول والعمل الصادق، وعرض أمثلة جميلة عنه بأساليب جذابة وراقية ومركزة ومختصرة في العالم الرقمي والواقعي.
فلا يحتاج الإنسان، بعد انفضاح السقوط الأخلاقي لعدد كبير من الأبالسة من المشاهير، إلى حملات تناقل أساليب الشتم لهم؛ فهناك من قام بذلك بشكل مهني محترف وغير مهني. ولكن على الإنسان الحكيم أن يستعرض كنوز مكارم الأخلاق لدى النبي محمد ﷺ وآل بيته الكرام لكامل أبناء الأرض في الفضاء الرقمي والواقعي، لسد فجوة الخذلان وفقدان الأمل وضياع بوصلة القدوة.
العقلاء والناس ذوو الفطرة السليمة والمحترمة حول العالم، بعد صدمة الجزيرة سيئة السمعة، استجلت بصائرهم وأخذوا يتفقدون الحفاظ على إنسانيتهم وكرامتهم بشكل دائم. وبعد زيادة تسريبات المشاهد وتراكم الفضائح المالية والأخلاقية والجنسية، حتمًا سينطلق عدد كبير من الناس في رحلة عقد مقارنات للنماذج المطروحة ونتائج كل نماذج فكرية للمدارس المختلفة، وإن تلبست عناوين جذابة من قبل أبناء المدارس الفكرية المختلفة وأتباع الأديان المتنوعة.
وبذلك أدعو كل النبلاء وأهل الفكر القويم والقلم الرصين بأن ينشروا في الفضاء الرقمي، وبأوسع النطاق وبلغات متعددة، مناقب وأخلاق وسلوكيات النبي الأكرم «صلى» وآل بيته الكرام، حيث الصدق والأمانة والطهارة والعفة والتقوى والإنسانية، لإبراز النموذج الأحق بالاتباع وضبط معايير حفظ النظام الاجتماعي من النخر والانهيار.
نحن على أعتاب شهر رمضان المبارك، وفيه أفضل ليلة وهي ليلة القدر، فليجعل كل منا خبيئة مع الله بنشر وتبني مبادرة خير مع أفراد مجتمعه، لجعل المجتمع أكثر تقوى وطهارة ونظافة وإيمانٍ وسلوكٍ حسن.

















