الجمال والسلطة في خطاب المديح
أبو تمّام والمتنبي بين الاندماج النسقي وتفاوض الذات
يسعى هذا المقال إلى دراسة المديح بوصفه خطابًا ثقافيًا لا يقتصر على تمجيد الأفراد، بل يشتغل ضمن نسق رمزي يعيد إنتاج السلطة ويمنحها شرعية جمالية. وينطلق من تحليل نموذجين مركزيين في الشعر العربي الكلاسيكي: أبي تمّام والمتنبي، بوصفهما تمثيلين مختلفين لوظيفة الجمال داخل الخطاب السلطوي. لا تهدف الدراسة إلى المفاضلة البلاغية أو الجمالية، بل إلى تفكيك آليات اشتغال المديح بين شاعر يندمج في النسق ويعمل على تثبيته، وآخر يفاوض السلطة من موقع ذاتي متوتر، يجعل الجمال أداة إشكال لا أداة تبرير.
لم يكن المديح في الشعر العربي الكلاسيكي مجرّد غرض فني أو ممارسة بلاغية معزولة، بل شكّل أحد أهم أشكال التفاعل بين الشعر والسلطة. فالقصيدة المديحية لا تكتفي بوصف الممدوح، وإنما تسهم في بناء صورته الرمزية داخل الوعي الجمعي، وتشارك في إنتاج خطاب يضفي على السلطة بعدًا أخلاقيًا وتاريخيًا وجماليًا.
ضمن هذا السياق، يبرز شعر أبي تمّام والمتنبي لا بوصفهما قمّتين شعريتين فحسب، بل باعتبارهما نموذجين مختلفين في توظيف الجمال داخل النسق السلطوي. إذ يمثّل الأول ذروة اندماج القصيدة في خطاب الدولة، بينما يكشف الثاني عن إمكان توتير هذا الخطاب من الداخل، عبر إعادة تمركز الذات الشاعرة داخل المديح نفسه.
تنطلق هذه الدراسة من مقاربة ثقافية تحليلية لخطاب المديح، تستفيد من مفاهيم تحليل الخطاب والنسق الثقافي، دون افتراض قصدية أيديولوجية مباشرة لدى الشاعر. فهي لا تحاكم النصوص أخلاقيًا، ولا تصنّف الشعراء في ثنائية ”مع“ أو ”ضد“ السلطة، بل تدرس أثر البنية الجمالية في إنتاج المعنى السياسي، وكيف يعمل الجمال بوصفه وسيطًا رمزيًا يضبط التلقي ويعيد تشكيل العلاقة بين القوة والشرعية.
يمثّل شعر أبي تمّام لحظة مفصلية في تاريخ المديح، حيث تنتقل القصيدة من الوصف المباشر إلى بناء معقّد تتداخل فيه البلاغة بالتاريخ، والعقل بالأسطورة، والمعنى بالقوة. فالجمال في مديحه لا يعمل كقيمة مستقلة، بل بوصفه آلية نسقية تُعيد إنتاج خطاب السلطة وتمنحه طابع الضرورة.
لا تكتفي القصيدة التمامية بتمجيد الخليفة أو القائد، بل تسهم في تقديمه باعتباره:
• امتدادًا للعقل
• تجسيدًا للتاريخ
• وحلقة في نظام كوني متناسق
ومن هنا، لا تفتح الصورة البلاغية أفق التأويل، بل تعمل على إغلاق الدلالة وتحصينها. فالتعقيد الأسلوبي، بدل أن يكون مجالًا للانزياح الحر، يتحوّل إلى وسيلة تمنح خطاب السلطة عمقًا معرفيًا، وتبعده عن المساءلة المباشرة.
إن خطورة شعر أبي تمّام لا تكمن في مباشرته السياسية، بل في قدرته على جعل السلطة تبدو:
عقلانية، جميلة، ومنسجمة مع منطق التاريخ.
وهكذا يتحوّل الجمال إلى جهاز رمزي يرفع القوة من مستوى القهر إلى مستوى الشرعية.
على خلاف هذا الاندماج النسقي، يقدّم المتنبي نموذجًا مختلفًا للمديح. فالسلطة في شعره ليست معطًى مكتملًا، بل طرفًا في علاقة متوترة، يدخل معها الشاعر في تفاوض دائم.
يمدح المتنبي، لكنه:
• لا يذوب في الممدوح
• ولا يسمح للقصيدة أن تتحوّل إلى خطاب أحادي
• بل يعيد باستمرار تمركز الذات داخل النص
الجمال هنا لا يُغلق الدلالة، بل يوسّعها ويجعلها قابلة للانقلاب. فكثير من أبيات المديح يمكن فصلها عن سياقها السلطوي، وإعادتها إلى الشاعر بوصفه مركز الخطاب الحقيقي.
وبهذا المعنى، لا يعمل الجمال على شرعنة السلطة، بل يستخدمها أحيانًا لتكبير الأنا، وتحويل الممدوح إلى مرآة تعكس استثنائية الشاعر لا العكس.
لا يكمن الفارق الجوهري بين أبي تمّام والمتنبي في اللغة أو الصورة أو الابتكار، بل في وظيفة الجمال داخل النسق الثقافي.
• أبو تمّام
• المتنبي
• الجمال يثبّت السلطة
• الجمال يفاوضها
• القصيدة تُغلق المعنى
• القصيدة تفتحه
• الشاعر جزء من الجهاز
• الشاعر مركز الخطاب
• المديح نسقي
• المديح إشكالي
يمثّل أبو تمّام ذروة اندماج الشعر في خطاب الدولة، حيث تتحوّل القصيدة إلى أداة رمزية عالية الكفاءة. بينما يمثّل المتنبي لحظة تمرّد ناعم داخل الشكل نفسه، لا يخرج على المديح، لكنه يعيد توجيه طاقته الدلالية.
تكشف هذه المقارنة أن المديح ليس جنسًا شعريًا ثابت الوظيفة، بل خطابًا مرنًا يتغيّر بتغيّر موقع الشاعر من السلطة. فالجمال قد يكون:
• أداة تبرير وتثبيت
• أو وسيلة تفاوض وإرباك
وبذلك لا يعود السؤال النقدي:
هل كان الشاعر شاعر سلطة أم شاعر ذات؟
بل:
كيف يعمل الجمال، من داخل الشعر ذاته، على إنتاج أو مساءلة السلطة؟
يبيّن هذا المقال أن شعر أبي تمّام والمتنبي لا يمثّلان اختلافًا جماليًا فحسب، بل اختلافًا في تصور العلاقة بين الشعر والقوة. فإذا كان الأول قد أسهم في بناء خطاب سلطوي بالغ الذكاء والانسجام، فإن الثاني كشف، من داخل المديح نفسه، إمكان تحويل الجمال إلى مساحة تفاوض لا خضوع.
وبهذا، لا يعود المديح مجرّد وثيقة تاريخية، بل نصًا حيًا يكشف عن أعقد أشكال اشتغال السلطة في الثقافة العربية.
















