آخر تحديث: 8 / 2 / 2026م - 12:19 ص

التلازم بين الساكن والمسكون

حسين مكي المحروس

﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: 30]

بهذه الآية وضع الله الإنسان في موضع المسؤولية العظمى كخليفة له في إعمار الأرض والقيام بالأمانة الكبرى. فالاستخلاف تقريرٌ لوظيفة تُمارَس، ولا يمكن فهم دور الساكن خارج أثره وتأثيره في المسكون. ومن هذا المنطلق جاء سؤال الملائكة عن الفساد وسفك الدماء استفسارًا عن مآل هذا الكائن الذي قد أُسندت إليه أرض تتشكل أحوالها بأفعاله وتنفعل بتصرفاته. السؤال متجه إلى العاقبة؛ لأن الأرض نظام يتأثر بمن يديرها ويدبر أمرها، والإنسان هو العامل الأثقل وزنًا في هذا النظام الكوني المتجانس والمترابط.

الخليفة المقصود هنا في هذه الآية هو عامة صنف الإنسان من حيث هو النوع، فهو يتميز بأنه يحمل العقل ويملك الاختيار. وهذه الصفة هي جوهر وسبب الاستخلاف ومصدر تبعات لوازم هذا الاستخلاف. فالقدرة على الفعل تستدعي مسؤولية الأثر، والحرية تضع صاحبها أمام نتائج ما يختاره. والقرآن حين يذكر احتمال وقوع الفساد من الإنسان يقدّم توصيفًا واقعيًّا لطبيعة هذا المخلوق كما هو في قابليته وسلوكه، ويؤسس لفهم يرى الاستخلاف تكليفًا عامًّا تُقاس حقيقته بما يترتب عليه من أثر في واقع ومستقبل كوكب الأرض.

جاء الجواب الإلهي: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: 30]، كاشفًا عن بُعدٍ يقوم أساسه على العلم. فتعليم الأسماء تأسيس لوعيٍ من نوع جديد قادر على إدراك المعاني وربط المعرفة بالمسؤولية. ومن هذا الوعي تتحدد علاقة الإنسان بالأرض؛ لأن من يفهم القوانين يدرك تبعات تصرفاته إصلاحًا كانت أم إفسادًا، ومن يدرك التبعات ينبغي له أن يحسن التدبير. وهكذا يتكوّن التلازم بوصفه علاقة سببية مباشرة يحكمها الفهم وحسن الإدارة والإصلاح.

ويؤكد القرآن أهمية هذا التلازم حين يربط الاستقامة بسنة وضرورة انتظام العطاء الكوني كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا [الجن: 16]. فالاستقامة منهج شامل، وأثرها يظهر في انتظام وديمومة الرزق واستقامة البيئة. وبما أن الماء مظهر الحياة الأكمل والأشمل، فإنه حين يستقيم المنهج الإنساني تستجيب عناصر الطبيعة لقانونها، وبالمقابل فإن الخلل ينشأ من وعي الساكن قبل أن يظهر أثره في المسكون.

تأمل كيف أن القرآن في موضع آخر يضع قانون الانهيار حين يختل ميزان الإدارة الاجتماعية في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا [الإسراء: 16]. فالفسق حين يتحول إلى نمط قيادة يقطع الصلة بين القرار والأمانة، فتفقد الأرض من يحفظ توازنها. وعند هذه المرحلة يظهر الدمار تعبيرًا عن انهيار العلاقة وكنتيجة متوقعة لمسار طويلٍ من الاختلال المتراكم.

وفي نهاية هذا المسلك تتحدد حتمية إقامة العدل على يد الإمام المهدي باعتبارها الأتم والأجلى لمعنى الاستخلاف الحقيقي. فبعد تاريخ ممتد من التجربة الإنسانية ها قد وصل الوعي الإنساني إلى طور النضج الكامل الذي يستقيم فيه الساكن في منهجه وإدارته، فتستجيب الأرض بنظامها وعطائها. عندها يتضح أن العلاقة بين الإنسان والأرض رابطة وجود تقوم على الأمانة والتَّبِعَة قبل المنفعة، وأن التلازم بين الساكن والمسكون قانون يحكم المصير حين يُدار بميزان الحق والعدل المطلق.