أب غير مسؤول
أب يُحال على التقاعد من عمله ويصبح مقيماً بداره. بعد حين من الزمن، تأتيه دعوة من أب آخر متقاعد للانضمام إلى نادٍ رياضي. بعد استجابته للدعوة والذهاب معاً إلى النادي، أخذا يمضيان أوقاتاً أكثرَ مع بعضهما. ولاحقاً أخذ كلا الأبوين يرتادان أسواقاً ومجمعاتٍ تجارية ومجالس ودور سينما ومقاهٍ متنوعة معاً، وأحياناً أخرى مع مجموعات مختلفة من الناس؛ بهدف التسلية تارة، وقتل الفراغ تارة أخرى، والاستمتاع العابر تارة ثالثة، وعيش الشباب تارة رابعة. تطورت أدوات قتل الفراغ لدى الأب، فتعرف على مجموعات خاصة بالكتب والتثقيف، ولاحقاً بمجموعة تهتم بالسفر إلى دول عدة، والتخييم في البر، والتسكع في المجالس. مع مرور الوقت أخذ ذاك الأبُ يهمل أسرته حد اللامبالاة بهم؛ ومع الوقت تتكشف حقائق عدة عن شخصيته الدفينة. ومما تكشّفَ: اللامبالاةُ، وعدم الاكتراث بالمسؤولية، والتهور في اتخاذ القرارات، وحب البروز بشكل مبالغ فيه، وكثرة المَنّ على من أحسن إليهم. هذه القصة ليست سيناريو فيلم سينمائي، أو سردية رواية عاطفية من نسيج الخيال، بل هي مطلع لقصص واقعية جمةٍ تطرق مسامعنا، لذا يصلح أن تُصاغ بعض تلكم القصص في قوالب سينمائية لإنتاج أفلام تربوية هادفة، وإيصال رسائل واضحة.
الإقرار بأن هناك آباءً غير متمتعين بأي حس للمسؤولية، قبل أو بعد التقاعد، أمر واقعي وملموس، ولا يجوز التغافل عنه أو إهماله أو تفادي الحديث فيه. البعض من الآباء المهملين يرتدي قناع:
• ”أديت مهمتي“
• ”العيال كبروا“
• ”إلى متى أهتم بهم“
• ”جاء الوقت لأهتم بنفسي“
• ”دوري مع الأسرة انتهى“
ليبرر أعماله من تسكع وإهمال وانغماسٍ في ملذاته، والعيش في دور مراهق في سن الستين؛ كل ذلك لطمس تأنيب الضمير لديه.
أرى من الواجب الأخلاقي والاجتماعي والوطني تنبيه تلك الأصناف من الآباء قبل استفحال الظاهرة ووقوع خراب مالطا داخل بيوتهم. فلا يصح عقلاً ولا أدباً أن يترك الإنسان الحبل على الغارب بعد أن شارك في تكوين أسرته، وهو القائد لتكوينها. ولا يحق لأي أب التنصل من مسؤولياته لمجرد أنه تقاعد أو كبر أبناؤه. نعم، تتعدل مستويات المسؤولية، وتُعاد صياغة حدودها، ولكن لا يحق له التنصل منها، أو تخريب أو إهمال أو تجاهل أسرة هو من كوّنها، وبيت هو من اعتمد بناءه.

















