آخر تحديث: 30 / 1 / 2026م - 1:57 م

أن تكون حسودًا.. قراءة فلسفية ونفسية في معنى الحسد وأثره

وجدان الياسين *

عندما كنت صغيرة شاهدت المسلسل الكرتوني الشهير ”سالي كروي“، ولكن على عكس انبهار الصغار بحالة الغنى التي عاشتها الفتاة سالي، لفتتني مشاعر الطالبة التي كانت معها في الصف ”لافينيا هربرت“. فلافينيا كانت من أسرة غنية حسب الرواية، وطالبة مجدة، وكذلك سالي، فوالدها غني، وأسرتها منافس شريف لعائلة لافينيا. في تلك اللحظة فكرت: لماذا كانت لافينيا تغار أو تحسد سالي؟ رغم أن كلتاهما مميزتان وتمتلكان المقومات الحياتية نفسها. ولم أفهم الفرق بين الشعورين، بل بدت كفكرة طارئة في عقلي. ومر الوقت ونسيت القصة تمامًا.

حتى جاء الحاضر، وفكرت مرة أخرى بهذا التساؤل البريء والبسيط ظاهريًا في الماضي، لكنه يفتح أبوابًا عديدة اليوم، بالأخص لشخص مهتم بالفلسفة وعلم النفس، ليفسر الظاهرة من خلال عيونهما.

فخطر ببالي أن علينا أن نعرف أولًا ما معنى الحسد، وأن ننظر له بالمنظورين الفلسفي والنفسي لنغوص فيه أكثر. وأكثر من أميل بتعريفه للحسد كان الفيلسوف اليوناني أرسطو، الذي عرفه بأنه: الألم الناجم عن حسن حظ الآخرين.

وأما كيركجارد فقد عرفه بأنه ”إعجاب سري“، ولعلي معجبة شخصيًا أيضًا بتعريفه هذا.

وبالعودة إلى قصة سالي لنجيب عن التساؤل، يمكن أن نعرف أن علم النفس قد فرّق تفريقًا دقيقًا بين الحسد والغيرة، لأنهما يبدوان متشابهين، إلا أن ثمة شعرة دقيقة بينهما. فالغيرة تكون بين ثلاثة أطراف: الأنا، شخص آخر، وشيء مهدد. لكن الحسد يدور بين طرفين: الحاسد والمحسود، أي الذي لديه النعمة.

لو نظرنا إلى حالة لافينيا في المسلسل الكرتوني، سنرى أنه في ظرف الفقر الذي تمر به سالي، نتيجة الأزمة المالية لوالدها لاحقًا، كانت لافينيا فرحة وتقتات على إذلال سالي، رغم أن سالي سابقًا كانت لطيفة معها، ورغم أنهما مترابطتان من حيث الطبقة الغنية نفسها والتفوق الدراسي. وبالتالي فإن مشاعر لافينيا كانت تمني زوال النعمة أكثر من كونها مجرد غيرة نظير وجود سالي كمنافسة لها في الصف. وهنا تكمن خطورة الحسد، أنه تافه بطبعه، ولا يتطلب مبررات عظيمة لنشوءه، وغير مختص بالفئة الفقيرة تجاه الغنية، أو الطبقة المظلومة تجاه الطبقة الظالمة.

وإذا دققنا النظر سنرى أن ثمة دراسات نفسية تؤكد ذلك. ففي دراسة كلاسيكية حلل باحثون تعابير السعادة على أوجه المشاركين في المسابقات، وطلبوا منهم تقييمها من 1 إلى 10. وكان التحليل الذهني أن أصحاب الميدالية البرونزية كانوا أكثر سعادة من أصحاب الميدالية الفضية، وذلك بسبب عقلية ”ماذا لو“، وتعني: ماذا لو كنت الأول أو الأفضل؟ هذا النمط من التفكير جعل أصحاب الميدالية الفضية يفكرون كثيرًا في أن هناك فارقًا بسيطًا حال دون حصولهم على الذهبية، وبالتالي كانوا أقل سعادة رغم أنهم في المرتبة الثانية، في حين شعر أصحاب الميدالية البرونزية في المرتبة الثالثة بسعادة أكبر لأنهم كانوا ضمن مجموعة الفائزين المختارين أصلًا.

وبالتالي قد يأتي الحسد لأنك كنت قريبًا جدًا من الفوز والحصول على حلمك، ثم انتُزع الكمال منك على حين غرة.

وإذا أردنا مثالًا آخر على لا منطقية الحسد، سنرى أنه في أثينا الديمقراطية القديمة كانت هناك ممارسة تسمى ”Ostracism“، وهو إجراء نبذ يُتخذ لأي شخص يُكتب اسمه على فخارية، وأكثر من يتم ذكره يُطرد بلا أسئلة. وثمة حكاية مشهورة عن أرستيدس العادل، الذي تم نبذه عام 482 ق. م، أن مواطنًا أميًا كتب اسمه على فخارية ليتم نبذه. وحينما سُئل الرجل الأمي لماذا فعل ذلك، كان جوابه: ”لأنني تضايقت من تكرار صفة العادل عنه“.

وحتى عالم الاجتماع النمساوي هيلموت شوك كان يقر بأن الحسد موجود في كل المجتمعات وعلى مر العصور، وليس بالضرورة أن ينتج عن عدم المساواة.

وطبعًا لا نمر على الحسد من دون أن نأخذ رأي الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، الذي كانت له وجهة نظر مثيرة للاهتمام بخصوص هذا الجانب من القصة، قصة الحسد.

ولنفهم ذلك سنعرف أولًا كيف قسّم فريدريك نيتشه الأخلاق، إذ بيّن أن ثمة نوعين:

1- أخلاق العبيد، ومن صفاتهم: الضعف، التواضع، ووضاعة الهمة.

2- أخلاق الأسياد، التي تتسم بالجرأة والمكانة والغنى والصحة، حتى إنه خصص لهم رياضات مفضلة يمارسونها كالمصارعة.

يعتقد نيتشه في كتابه ”جينالوجيا الأخلاق“ أن ضعف العبيد أو قبولهم بالظلم، أي بمعنى آخر عجزهم عن الفعل، ليس أمرًا أخلاقيًا بحتًا، بل نابع من فكرة حسدهم لأسيادهم ورغبتهم في الحصول على مكانتهم مع عدم قدرتهم على ذلك. ولأنهم عاجزون ومستاؤون استياءً متراكمًا، تمنوا زوال نعم أولئك النبلاء، وأضفوا بوصفهم عبيدًا صبغة أخلاقية على أفعالهم، ومعنى لتصوراتهم عن أنفسهم يجعلهم أفضل أخلاقًا من السيد الشجاع ذي المكانة. فيعتبرون، على سبيل المثال، أن الخوف كياسة وحذر، وأن التقشف والتنسك له أفضلية على السعي للمكانة، وأن كره الحياة الذي عززت له المسيحية يضفي معنى أخلاقيًا على المعاناة، ما يحول العجز إلى تفوق أخلاقي، والضعف إلى علامة تواضع، في حين أنه دليل الجبن والتخاذل من وجهة نظر نيتشه.

وبالتالي فالأسياد هم المستحقون لخلق القيم، وليس العبيد.

وإن كان البعض لا يتفق مع كل ما يقوله الفيلسوف، إلا أن ذلك لا ينفي أن لنيتشه وجهة نظر مرموقة، إذ يشير علانية إلى مشاعر الحاسد الذي يعتقد أنه ذو أفضلية أخلاقية على المحسود، وإن كان يخفي إعجابه به أحيانًا. لذلك لم يكن كيركجارد كاذبًا في تعريفه، بل كان صادقًا وهو يحكي عن مكنونات النفس البشرية تجاه الآخرين.

لكن هل الحسد نتاج نفسي للقوة والضعف، أم أنه موقف أخلاقي خاطئ بذاته؟

هنا تحديدًا يلتقي النقاش الفلسفي الغربي مع الرؤية الإسلامية، لكن من زاوية مختلفة.

إذ تأتي أقوال بعض منظري الفلسفة الإسلامية، فيؤكد الرازي، منقولًا بالمعنى لا بالحرف، أن الحسد إنكار لحكمة التفاوت، وظن أن العدل هو المساواة المطلقة. وأما الغزالي فكان يقر بأن الحسد اعتراض على قسمة الله، ومنازعة له في حكمته.

وأشهر قصة يمكن أن نربطها بمفهوم الحسد هي قصة هابيل وقابيل. فمن منظور نفسي يظهر فيها كيف يمكن للحسد أن يولد عداءً وحقدًا، إذ شعر قابيل بعدم المساواة تجاه أخيه هابيل، فانقلب هذا الشعور إلى عدوان أدى إلى قتل هابيل. وهذا يوضح كيف أن الحسد قد يتحول إلى أفعال مؤذية إذا لم يُضبط بالعقل أو الضمير. أما من المنظور الإسلامي فإن شعور قابيل لم يكن مبررًا، إذ يُعد الحسد والمعصية خطأً واضحًا أمام أمر الله، ولا يبرره الشعور النفسي بالحسد مهما كانت مسوغاته.

وكلا المنظورين الإسلامي والنفسي في تفسير الحسد يبدو كلوحة بازل، تكمل كل قطعة فيها جانبًا حتى تكتمل الصورة النهائية وتفك شيفرة منبع الشعور نفسه.

وبالنسبة لعلماء النفس الحديث، فهم لا يطمحون إلى قمع الحسد أو إنكاره، بل يرون أن اعتراف الشخص به هو أولى خطوات علاجه.

وأن شعور الحسد لدى الحاسد نابع من عدة أمور:

1- المقارنة الاجتماعية

2- الشعور بالنقص

3- تهديد تقدير الذات

ولأن الكبت يجعل الحاسد عدوانيًا بطبعه، فإن جزءًا من علاجه المعرفي والسلوكي يتمثل في تصحيح الأفكار التلقائية المشوهة التي يأخذها الحاسد عن نفسه وعن الآخرين، وعلاجه إيجابيًا وتوجيه عدوانيته كدافع للنجاح لا للتقوقع.

وأظن أنني ناقشت مفهوم الحسد لأنه يبدو لي موضوعًا غامضًا رغم شهرته. فغالبيتنا لا تعرف جذوره ولا تفهم الدوافع خلفه، ولكن كلما تعمقنا فيه أكثر استطعنا أن نرى منافذ النور في القصة، سواء بالعلاج والمتابعة، أو بجعل الشفقة سبيلنا في الحياة تجاه الحاسدين. وهذا حري بنا تجاه أناس يفقدون الإحساس بجمال الحياة نظير مشاعرهم العدائية وغير المنطقية أحيانًا.

وللضمانة المطلقة من أي طاقة حسد، لا تنسوا ارتداء الخرزة الزرقاء دائمًا، أو على الأقل حملها في جيوبكم، فقد لا يعلم الحاسدون أننا مستعدون لأي شيء!.