آخر تحديث: 30 / 1 / 2026م - 1:57 م

جحيم الفقاعة

حسين مكي المحروس

يعيش بعض الناس مخدوعين، ويرزحون تحت وطأة سجن فقاعة الذات، وهي عدسة ذهنية محدبة تضخم حجم المرء بطريقة وهمية مراوغة؛ فهو يرى كل شيء ما خلا شخصَه باطلًا وعديم الفائدة. يتوهم كما لو أن له يدًا في نشأة العالم، وأنه محور الوجود وعليه استقر مداره، وأن كل ما في الكون هو طوع له ورهن إشارته. هذه الصورة المغلوطة تتكوّن تدريجيًّا من اختيارات انتقائية في الرؤية، ومن تفسير الأحداث بمنهجية تضع الـ «أنا» أولًا وفوق كل اعتبار، وزاوية تُبرز ما يخدم الشعور بالرضا، وفي السياق نفسه تقوم بتهميش كل ما يفرض مراجعة الذات. ومع الزمن، تسيطر نسخة مشوهة كهذه للنفس على الإطار الحاكم للتفكير، فيقيس الواقع بمدى توافقه مع نطاقه الخاص وما ينسجم مع ما يحس به. حقًّا، إنه ليستدر العطف من يقبع في براثن أسر الفقاعة بوصفها نظامًا لا إدراكيًّا منغلقًا، وحالة نفسية مرضية مزمنة.

وهم الوجاهة الاجتماعية والهيمنة والشهرة والنفوذ مثالٌ من الصور التي قد تؤدي دورًا مركزيًّا في ترسيخ الفقاعة الذاتية؛ فالصورة الاجتماعية تتحول إلى حجة نفسية داخلية للحكم على الذات، فيُعاد تفسير الوقائع بما يتوافق وحفظ هذه المكانةِ. وبالمقابل فإن التقدير الخارجي الخاطئ المنافق يصبح وسيطًا في صياغة القناعة الداخلية المضللة. ومع تكرار ذلك، تتقدّم الانطباعات على الحقائق، وتُستبدل معايير القيمة الواقعية بمعايير أفق القبول لدى الناس. هنا تصبح النسبية هي الحاكمة التامة، فلا حقَّ مطلق ولا باطل متفق عليه، بل الحق والباطل هما ما يحدده الشخص الفقاعي نفسه. في هذا السياق، لا يعود السؤال عن منهج الصواب حاضرًا بالدرجة نفسها التي يحضر بها التساؤل عن أهمية الحفاظ على لمعان الصورة الوجاهية للفقاعي.

فقاعة الوجاهة تتألف عبر تراكم سلوكي وفكري خاطئ مردّه إلى الظروف المحيطة التي صنعت من النكرة نوعية محظوظة مشهورة محترمة. يبدأ الأمر باختيار «الكومبارس» المصفقين، ومن ثم يقوم الفقاعي بالابتعاد عن البيئات المزعجة المحرجة، ثم ينتهي إلى تطبيع التفسير الأحادي للأحداث ونقض وتسخيف ما يخالفه من آراء. هذا المسار يُنتج محيطًا بلون واحد فقط مهمته أن يعيد تأكيد القناعة نفسها باستمرار، فيترسخ الشعور لدى «الفقاعي» بالاطمئنانِ بين جوانحه، حيث أصبحت الفكرة في نظره صائبة، والبيئة المعرفية حوله متجانسة. ومع هذا التجانس، يضعف بل يتلاشى الاحتكاك مع أي رأي معارض، ويتآكل معيار مراجعة النفس، وكأن دور الحضور انحصر فقط في المصادقة والإذعان.

ومع ترسخ الفقاعة في ذهن المخدوع، تتغير وظيفة النقد الذاتي في اللاوعي عند هذا المريض من ضرورة تفعيل النقد إلى استئصاله وتحاشيه. عندها ينقلب المسوغ لعملية الملاحظة والمراقبة من كونها أداة تصويب، إلى أن تغدو ضربًا من التهويل. ويستحيل الدفاع عن لوحة الوجاهة سلوكًا تلقائيًّا، تتقدّم فيه الحساسية على التحليل، ويسود الانفعال على التفكير. في هذه المرحلة، نكون قد تعدّينا مرحلة مناقشة احتمالية وجود خطأ في التخمين إلى مستوى متقدم من مقاومة مجرد الظن بذلك. ومع هذا التحول، تصبح الفقاعة آلية حماية نفسية ومعرفية في الوقت ذاته، وهي أخطر مراحل السلطنة النفسية.

إن إحدى الطرق الآمنة للخروج من براثن الفقاعة الشائكة تبدأ من خلال تنشيط مسار المراجعة الآلية للحكم النفسي الداخلي. عد إلى ضرورة المساءلة كونها أداة تصحيح، واستعمل أسلوب النقد البناء باعتباره ضرورة تقويمية، وأخضع اللوحة للواقع بدل أن تخضع الواقع لها. كل هذا التغيير في المنهجية يتطلب قدرًا من الجرأة والتواضع، ومعلوم أن كلفة الفحص أقل من صعوبة التصحيح. ومن أبى فإن الفقاعة مهما طال عمرها ستبقى هشّة وعرضة للتحطم والتآكل والاندثار. من لم يُراجع صورته بمشيئته، فستُفرض عليه لاحقًا بوقائع لا تراعي اعتبارات الوجاهة ولا حسابات الانطباع.