العيسى في دافوس.. رهان على المشتركات الإنسانية
تواصل «رابطة العالم الإسلامي» مشاركتها الفاعلة في المحافل الدولية، وآخرها الاجتماع السنوي ل»المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس 2026، الذي حضره الأمين العام ل»الرابطة» الشيخ محمد العيسى، وهي المشاركة التي تكتسب أهميتها من كونها تأتي تعزيزاً لدور القادة الدينيين في ترسيخ السلم وقيم الحوار والتواصل، في زمن تتسارع فيه الصراعات وتتوسع فيه آثارها المدمرة.
الدكتور العيسى سعى في «دافوس» إلى تقديم رؤية مسؤولة تحدد ما ينبغي أن يفعله القادة الدينيون، كي لا تتحول الهوية الروحية إلى وقود للعنف، ولا تصبح اللغة مدخلًا لتبرير إقصاء الآخر أو تحييده إنسانياً، محذراً من خطر هذا النوع من الخطابات التي تتوسم «المقدس» لتحقيق مصالح مادية أقلوية ضيقة.
في الجلسة الرئيسة التي تناولت «المسؤولية الأخلاقية لقادة الأديان في الصراعات» أبانَ الشيخ محمد العيسى أن «الحياة والكرامة الإنسانية، قيمة عليا يستحقها كل إنسان كمبدأ عام»، وهو بذلك يؤكد على حفظ النفس البشرية دون تمييز، وصون الحقوق العامة، وحماية الحريات المشروعة، التي هي ملكٌ لجميع البشرية.
العيسى في هذا السياق شدد على أن «العدل لا يتجزأ» وأنه «لا مجال للانتقائية في الكرامة والرحمة» لأنه عندما تقبل القيادات الدينية بترتيب الدماء وفق الهوية، فهي لا تكتفي بتجميل العنف، وإنما تفتح الباب لتكراره وتشريعه، الأمر الذي يهدد بدوامة من العنف والعنف المضاد لا نهاية لها!
على هذا الأساس، يحذرُ العيسى من أخطر مرحلة في مسار التدهور الأخلاقي، حين تصبح إنسانية الآخر محل تفاوض أو تراتبية عنصرية أو عرقية، فيقرر أن «نزع إنسانية الآخر هو الخطوة الأولى لكل كارثة إنسانية» لأن هذا «النزع» هو الذريعة التي على أساسها تتم المجازر وعمليات التهجير والشيطنة والإبادة، وهي أمرٌ تم بالفعل في العديد من الصراعات التي شهدتها البشرية، سواء في الشرق الأوسط أو أوربا وسواهما.
الأمين العام ل»رابطة العالم الإسلامي» الشيخ محمد العيسى، استعرض أيضاً في «المنتدى الاقتصادي العالمي» مبادرات وتجارب عملية ل»الرابطة» وفي مقدمتها مبادرة «بناء جسور التفاهم والتعاون بين الشرق والغرب» التي حظيت بترحيب ودعم «الأمم المتحدة» في نيويورك، وقدمها كإطار لتصحيح مفاهيم «حتمية الصدام والصراع الحضاري» التي غذت الكراهية.
هذه «المبادرة» تتكامل أيضاً مع وثيقتين محوريتين في مشاريع «الرابطة» وهما «وثيقة مكة المكرمة» و»وثيقة بناء الجسور بين المذاهب الإسلامية»، واللتان كانتا واضحتين في رفض الخطابات التكفيرية والطائفية.
ضمن هذا السياق العملي المؤسساتي يربط العيسى «المرجعية الأخلاقية» بمشترك دولي أوسع، حين يؤكد أن الإسلام يلتقي مع المبادئ الإنسانية التي يقرها العالم المعاصر في ميثاق «الأمم المتحدة» مستدعياً مفهوم «إتمام مكارم الأخلاق» بوصفه قاعدة لضبط السلوك العام لا لتسويغ الخصومة، لأن هذا الضبط يعني عدم الانشغال بنقاط التباين أو الاستغراق في تفاصيلها، وإنما معالجتها بطرائق حديثة، أساسها الاحترام والإقرار بالتنوع، والبناء على المشتركات التي هي القاعدة الأوسع والأشمل.
















