آخر تحديث: 27 / 1 / 2026م - 5:12 م

حين أيقظتني الغيبوبة…

رضي منصور العسيف *

ليست كلُّ القصص حكاياتٍ تُروى للتسلية، ولا كلُّ الكلمات تُكتب لتمضية الوقت.
بعض القصص تُكتب لأنها ضرورة، لأنها شهادة، لأنها صرخة وعي خرجت من قلب التجربة.
عندما أكتب عن مريضٍ ومذكّراته مع المرض، فأنا لا أدوّن وجعًا فحسب، بل أفتح نافذةً على درسٍ عميق في الحياة؛ درسٍ في الوعي، في المسؤولية، وفي كيفية التعامل مع المرض منذ لحظته الأولى.
فالمرض لا يبدأ في الجسد وحده، بل يبدأ في طريقة تفكيرنا، وفي نظرتنا لأنفسنا، وفي قراراتنا الصغيرة التي نظنها عابرة… وهي ليست كذلك.
وحين يروي المريض قصته بلسانه، فإنه لا يفعل ذلك طلبًا للشفقة، ولا بحثًا عن التعاطف، بل بدافعٍ أن تتحوّل تجربته إلى نورٍ لغيره، وأن يكون ألمه جسرًا يعبر عليه الآخرون بأمان.
هذه ليست قصة مرض فقط،
بل قصة غفلة وصحوة،
سقوط ونهوض،
وإنذارٍ كاد أن يأتي متأخرًا… لكنه جاء في الوقت الذي كُتب له أن يأتي.
وإليكم هذه القصة…

يقول مريضنا العزيز:
لم أكن هكذا دائمًا.
كنتُ شابًا رياضيًا، ألعب كرة القدم في النادي، أجري بلا تعب، وأضحك بلا حساب، وأشعر أن جسدي صديقٌ لي… لا عدو.
حتى جاء ذلك اليوم.
كنا أربعة أصدقاء متجهين إلى دبي.
رحلة، ضحك، حماس… ولحظة واحدة كانت كفيلة بأن تقلب كل شيء.
حادثٌ قوي...كسرٌ في الساق...وخلعٌ في الكتف...وسرير مستشفى بدلًا من ملعب.
خرجتُ من المستشفى، لكنني لم أخرج كما دخلت.
لم أعد للرياضة. لم أعد للكرة. بدأت أعود لشيء آخر…السهر... المشروبات الغازية...الرد بول...الشيشة.
تغيّر الأصدقاء...تغيّرت الجلسات...وتغيّرت حياتي… دون أن أنتبه.

بداية المرض… وبداية الإهمال
ذهبتُ يومًا إلى المستشفى.
قالوا لي:
"هذه بداية سكر."
أعطوني منظمًا، لكنني لم آخذ الأمر بجدية.
مرّت الأيام.
ارتفعت القراءات.
زادت الحبوب.
ثم دخلت مرحلة لم أتخيلها يومًا…

مرحلة الإبر.
إبرة قبل الفطور...إبرة قبل الغداء...إبرة قبل العشاء...وإنسولين في الليل.
لكنني…لم أكن ملتزمًا.
كنت أعيش كما كنت...مشروبات غازية...سكريات...حلويات...كانت الحلويات عندي مقدسة.
والبيبسي؟كان رفيقي في كل وقت. أما الماء… فقد خرج من قاموسي.

إشارات لم أفهمها
بدأ نظري يضعف. بدأ التعب يسكنني. بدأ جسدي يرسل إنذارات… وأنا لا أسمع.
في الليل، كنت أُعذَّب... أستيقظ خمس أو ست مرات...أنام نومًا متقطّعًا...روحي مرهقة.

جسدي يصرخ… وأنا أتجاهل.
سافرتُ مرة،وأتعبت أهلي دون قصد.
كل دقيقتين: حمام...كل ربع ساعة: حمام.
كنت مأساة تمشي على قدمين.

اللحظة التي غيّرت كل شيء
جاء موسم الحج، وسافرتُ إلى البحرين كعادتي.
كنت ما زلتُ ذلك الشخص نفسه: بيبسي صباحًا، بيبسي ليلًا، بيبسي نهارًا، شيشة، ورد بول، وسكر فوق سكر.
وفي صباحٍ لا يشبه كل الصباحات… استيقظت على صدمة.
تبول لا إرادي.
ذهول.
خجل.
خوف.
قلت: "تعب… لا شيء."
لكن اليوم التالي كان أقسى.
وصلتُ إلى مرحلة لم أتخيّلها يومًا…
ارتديتُ حفاظات كبار السن.
أنا؟
بهذا العمر؟
ومع ذلك… لم أتوقف.
إلى أن جاء اليوم الذي غيّر حياتي...كنت جالسًا في أحد المجمعات…
ثم فجأة…سقط كل شيء...لم أسمع...لم أرَ...لم أشعر...أُغمي عليّ.

الغيبوبة… والصحوة
حملوني...اتصلوا بالإسعاف.
انتقلت بين المستشفيات وأنا غائب عن الدنيا.
وعندما فحصوا السكر…صُدموا.
الرقم تجاوز 500… وربما 600.
لم تكن إغماءة...كانت غيبوبة.
يومٌ كامل…وأنا بين الإبر، والمحاليل، والأجهزة…
ولا أدري عن نفسي شيئًا...في اليوم التالي، جاءني الطبيب.
وقف أمامي، نظر إليّ، وقال:
"هذا اللي سويته في نفسك… جريمة."
لم تكن كلمة قاسية…
كانت صادقة.
قال لي: "أنت ظلمت نفسك. كنت قريبًا من القبر."
وهنا…
استيقظت.
ليس من الغيبوبة فقط… بل من حياتي.

البداية الجديدة
تغيّرت 180 درجة.
التزمت...انتظمت...احترمت جسدي...كنت أتناول الحبوب...وأضرب الإبر...وألتزم بالأنسولين.
حتى نزل التراكمي. من أرقام مخيفة (16) إلى 5.5.
صار نومي نعمة...أنام سبع ساعات متواصلة...لا أستيقظ مفزوعًا...لا أركض للحمام...بدأت أعيش.
ثم حدثت المعجزة.
تحسّن جسمي لدرجة أنني لو أخذت الإبرة الثانية… يهبط السكر!
من أكثر من 30 علاجًا أسبوعيًا…إلى إبرة واحدة فقط.

اليوم… أنا إنسان جديد
تركت البيبسي...واستبدلته بالماء...تركت الحلويات...ولم أمت...بل…عشت.
نزل وزني...تحسّنت صحتي...عدت أمشي...عدت أتنفّس.
سقطتُ…لكني لم أمت.
تألمت…لكني لم أضِع.
استيقظت…قبل أن يُغلق عليّ التراب.
وهذه…قصتي مع السكر.

كاتب وأخصائي تغذية- القطيف