آخر تحديث: 27 / 1 / 2026م - 5:12 م

حفلات التكريم بين سندان التحفيز ومطرقة النقد

المهندس أمير الصالح *

رسالة شكر لكل من المحتفى بهم لإنجازاتهم المميزة، والمحتفين بهم، والراعين للمناسبات الجميلة في المجتمع، والمنظمين، والإداريين، والكوادر، والحضور الكرام، تقبل الله عملكم.

بكل فخر واعتزاز كُرِّمت وكرَّمت، وكنت عضوًا في لجان تطوعية للتكريم أو التأبين أو إحياء مناسبات؛ ومنذ فترة اعتزلت اللجان لإتاحة الفرصة لدماء جديدة أكثر شبابًا وقوة وصحة مني، فضلًا عن الابتعاد عن القيل والقال من هنا وهناك، عن تعثر هنا أو تقصير هناك أو فجوة هنا أو نقص هناك. وهنا وددت أن أسجل بعض الملاحظات عن مفهوم فكرة التكريم بين التحفيز والنقد. وقد كتبت سابقًا عن ذات الموضوع عدة مقالات، ولكن لا بأس بإعادة تسليط الضوء مجددًا على ذات الموضوع، ولكن بزاوية جديدة، وأدعو إلى قراءة هذا المقال بعين الموضوعية وليس الشخصنة أو المناكفة.

لعل من أبرز إيجابيات التكريم في الوقت الراهن، حيث وسائل التواصل الاجتماعي، هو صنع القدوة الجيدة للجيل الصاعد، ورسم خرائط طرق النجاح للأجيال الصاعدة. ونذكر بعض تلكم الإيجابيات لإدارة حفل التكريم أو المناسبات الأخرى بشكل مختصر:

1- تحفيز الآخرين على الاستمرارية في العطاء والبذل والانضباط.

2- رفع منسوب تقدير المجتمع لذوات أهل العطاء والتميز، وتجذير الشعور بالانتماء والاحتضان والتقدير والحفاوة.

3- تسليط الأضواء على النماذج الناجحة والإيجابية، والتعرف على إسهاماتها ومؤلفاتها ونتاجها الفكري ومشاريعها وفلسفتها في إدارة الحياة وإدارة الوقت وفنون إدارة العلاقات.

4- الاحتفاء بالإنجاز والتميّز والإبداع، ونشر ذلك على مسامع أبناء المجتمع والحاضرة والدولة.

5- اعتماد ونشر ثقافة العرفان والامتنان لأهل الإنجازات، والاعتراف بجهود الآخرين إن هم أحسنوا، وكسر الاحتكار، وإتاحة الفرصة للمبدعين من أبناء كل الطبقات الاجتماعية، وتجاوز فكرة التهميش أو التقزيم أو الاحتكار.

6- تبني أكبر قدر من المبادرات المجتمعية والإنسانية والتطوعية والتربوية والفكرية والثقافية والعلمية والأدبية الهادفة.

7- رفع منسوب التشجيع وصناعة القدوة الحسنة، ودعم الصحة النفسية للأفراد بزرع الطموح واحتضانه، وتقليل الإحباط لدى الشباب والفتيات عبر تقديم نماذج ناجحة من وسط ذات البيئة.

8- تسويق أفكار جيدة، وإبراز محتوى إيجابي رائع، وتعزيز قيم وسلوكيات رصينة وإيجابية تشمل التكريم والإكرام والاحتفاء والاحتضان وتكافؤ الفرص والموضوعية وعدم الانحياز التفضيلي، وكسر كرات الثلج بين أفراد الوطن والمجتمع.

9- توسيع دائرة التواصل الفعال والتأثير، وتقديم القدوات الصالحة من أبناء المجتمع للمجتمعات الأخرى.

10- نظم الأمور، ودعم الانتماء والولاء الاجتماعي والوطني والإنساني للمحتفى بهم.

وهناك أمور أخرى أيضًا، ولكن أكتفي بهذا القدر، لأعرِّج على النقد اللاذع لكوادر إدارة أنشطة حفل التكريم، الذي قد يكون مبعثه موضوعيًا خالصًا، بناءً على نقد سلوك بعض أفراد اللجان من احتكار أو تسلط أو أساليب التقييم للمكرمين، أو نقد سلبي خالص مبني على عدة عوامل، منها: الحقد، الكراهية، المناوشة، الشيطنة، التثبيط، الانتقام، التخريب… إلخ. ونذكر إجمالًا بعض عناوين النقد الموضوعي المجرد من العواطف لبعض الكوادر «عشرة خطوط تحت كلمة بعض»:

1- ربط نجاح إدارة المناسبة بعدد الحضور، وضخامة مكان الاحتفال، والمكانة الاجتماعية للمدعوين، وعدد التفاعلات في العالم الرقمي.

2- تضخّم الأنا لدى البعض، وتعزيز النرجسية الاجتماعية والتسلط والرياء الاجتماعي، والبروز على حساب المناسبة لدى بعض كوادر اللجان. لا يمكن إلغاؤه، ولكن يمكن معالجة تلكم الظاهرة بأساليب مختلفة.

3- تحوّل العمل من رسالة مشاركة ودعم وقربة لله تعالى إلى سعي للظهور والبروز والتسلط الاجتماعي والفرز الطبقي المقيت والمماحكة والرياء لدى البعض، وتحويل المناسبة لمهرجان أخذ لقطات صور صدارة مع شخصيات معينة.

4- نمو ضعف نازع الإخلاص لدى البعض، وتنامي الرياء الواقعي والرقمي بسبب حب الظهور والبروز والتزلف.

5- تشويه مبدأ التدوير في الخدمة والتواصل الفعال والاستماع إلى النقد البناء والاستحقاق والعدالة وتوزيع المهام وضخ دماء جديدة، إلى احتكار وشللية وهيمنة وإقصاء.

6- تنامي تغذية الأنا أدى وسيؤدي إلى تهميش أصحاب الإنجاز الحقيقي ممن عملوا خلف الستار، وتم طمس كل مساهماتهم.

7- حتمًا اليوم أو في المستقبل، سينشأ عند البعض ممن استفردوا بإحياء كل المناسبات بطريقة احتكارية، الإحباط والفراغ النفسي عند غياب التكريم لهم، وقد يتحول أولئك يومًا ما إلى أكثر المحبطين والمشاكسين للأنشطة الاجتماعية إن هم لم ينالوا مرادهم أو إمضاء أجنداتهم أو إبقاء سلطتهم في إدارة الأمور، وينطلقون يومذاك من مبدأ «تلعبوني معاكم أو أخرب عليكم».

8- مع تمدد اعتماد المقارنة السلبية في إدارة المناسبات بين التكتلات الاحتكارية المختلفة، سيتبعها الحسد الاجتماعي لأي نشاط ناجح خارج إدارة وعيون أولئك المبتلين بمرض الرياء والأنانية والأنا المضخمة، ولنا في قصة إخوة يوسف عِبرة.

9- استغلال حفلات التكريم من قبل بعض الكوادر لأغراض دعائية ذاتية أو تجارية، أو تسليع قيم وتجيير أعمال إنسانية، وتحويل بعض/كل المناسبات الاجتماعية إلى أداة ضغط أو إقصاء اجتماعي، أو احتفاء بشلة أو تراشق.

الحلول

1- ضخ دماء جديدة.

2- اعتماد مبدأ التدوير في كل الإدارات للمناسبات والانفتاح.

3- التواصل الفعال.

4- الإصغاء الحسن لما قيل ويقال لتجنب أي خلل، وعزل أي كادر مرائي.

5- نبذ شعار: «الكاسب لاعب ولا عزاء للخسرانين».

خاتمة

في أي تجمع بشري هناك بلايا متعددة، منها: بلاء الرياء، وبلاء حب البروز، وبلاء حب التسلط والتحكم بالآخرين «حب الزعامة». فإذا تم تشخيص أمراض كهذه وبلاءات في أي تجمع بشري بأي مكان، تحت أي شعار، في أي مناسبة، حتى لو كان مسجدًا، فإن صاحب النفس العزيزة عليه واجب حفظ كرامته والتنبيه عليه، ثم الانسحاب من أي ساحة مكتظة بأمراض وبلاءات كهذه، وذلك حفظًا للكرامة والمزاج والتقدير الذاتي وعزة النفس.

عزة النفس تأتي بالترفع عن المهاترات، ومؤسف أن نرى انحدارًا خطيرًا في التواصل الفعال والتدارس النافع بين أفراد المجتمع؛ لأن عددًا ليس بالبسيط يريد أن يكون رأسًا ومديرًا وزعيمًا وفي صدر المجالس، وصوره ملتقطة في كل المحافل وكل المناسبات، دون أي استحقاق منه، ودون أي اعتبار لمشاعر الآخرين الأوفياء.

شخصيًا، بعد خوض تجارب عدة، أنصح كل الأوفياء بإعداد كوادر جديدة فعالة ووفية، وضخها لإكمال مسيرة إحياء المناسبات، والاعتزال بعد حين. إن نقاء النيات الحسنة، وتقديم الله في كل الأعمال، وتوزيع المسؤوليات، وضخ دماء جديدة، ونشر التواضع، والابتعاد عن أضواء لقطات الكاميرا، والابتعاد عن جاذبية البروز، تجعل الأمور أكثر انسجامًا وإنتاجًا واستمرارية وتماسكًا. وأنصح بعض الأهالي، بدل التذمر على المتصدرين الأوفياء، وعدم تشخيص المتصدرين المدمرين للأعمال الاجتماعية، بتحفيز أبنائهم على الانخراط بالعمل الاجتماعي التطوعي لكي تستمر عجلة الحياة الطيبة، وإحلال دماء جديدة.

همسة: على كثيري الانتقاد السلبي أن يساهموا بإشعال شمعة بدل شتم الظلام. فيا إنسان المجتمع الطيب، في أي مكان: «انصح وسدد وقارب، ولا تنفّر وتشرّد وتشتّت».