آخر تحديث: 25 / 7 / 2024م - 12:20 ص

معنى عودة اليمين للحكم في أوروبا

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

يمكن بقليل من التحفظ القول إن هذا العام هو عام الانتخابات، على المستوى العالمي بشكل عام، والقارة الأوروبية بشكل خاص. واللافت للنظر، هو تصدر اليمين في هذه الانتخابات، على مستوى القارة بأسرها.

ففي فرنسا، حقق اليمين المتطرف فوزاً تاريخياً بانتخابات البرلمان الأوروبي، بفارق كبير عن معسكر الأغلبية الرئاسية في الجولة الأولى. وتصدر حزب التجمع الوطني بقيادة جوردان بارديلا النتائج بنسبة تزيد على 31,5% من الأصوات، متقدماً بفارق كبير على حزب النهضة الذي يتزعمه الرئيس ماكرون «15,2%». قبل أن تحدث المفاجأة في الجولة الثانية، يوم الأحد الماضي، بأن قلب اليسار الفرنسي كل التوقعات، واستطلاعات الرأي، وحقق فوزاً تاريخياً بأن تصدّر النتائج، وقضى على أحلام اليمين المتطرف الذي حل ثالثاً، فيما حلّ تحالف «معاً» الذي يقوده حزب ماكرون «النهضة» ثانياً، ورغم ذلك فإن نتائج المرحلة الأولى للانتخابات الفرنسية وإلى حد ما نتائج الجولة الثانية، تؤكد أن هناك تحولاً كبيراً في مزاج الناخب الفرنسي.

وفي إيطاليا، تصدر حزب «إخوة أيطاليا» اليميني المتطرف، بزعامة رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني، النتائج بنسبة 25 إلى 31% من الأصوات، متفوقة على الحزب الديمقراطي، حزب المعارضة الرئيسي، والذي يمثل يسار الوسط.

وفي النمسا، حصل «حزب الحرية» اليميني المتطرف على 27% من الأصوات، ليتصدر الانتخابات الأوروبية في البلاد، محققاً بذلك أول فوز له في انتخابات وطنية. ثم حل حزب «إس بي أو» الاشتراكي الديمقراطي ثانياً «23,2%». وحصل حزب الخضر من جهته على 10,7%..

وفي ألمانيا، لا يختلف الوضع كثيراً، رغم أن اليمين المتطرف، لم يحصد الموقع الأول، لكنه تقدم كثيراً، في انتخابات البرلمان الأوروبي، خلافاً لما كان سائداً في الانتخابات السابقة. والوضع في إسبانيا، مشابه لما حدث في معظم الدول الأوروبية، فقد تصدر اليمين المحافظ نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي، لهذا العام. وفي هولندا، تعزز موقف خيرت فيلدرز، اليميني المتطرف، رغم أنه جاء في الموقع الثاني.

ويرى كثير من المتابعين للأحداث السياسية في القارة الأوروبية، أن توجه البرلمان الأوروبي نحو اليمين، يعني أنه سيكون أقلّ حماساً للسياسات الرامية لمعالجة تغيّر المناخ، وأنه سيعمل على تعزيز التدابير الرامية للحد من الهجرة للاتحاد الأوروبي.

ما يهمنا في هذا العرض، هو معرفة الأسباب، التي أدت إلى صعود اليمين بالقارة الأوروبية، في ظاهرة غير مسبوقة منذ عقود. وفي يقيننا فإن كلمة السّر التي أدت لهذا التحول تكمن في الاقتصاد. إن ما يجري في القارة الأوروبية، يعكس حالة الانكماش الاقتصادي، وهو تعبير عن أزمة اقتصادية عميقة تمرّ بها أوروبا.

في النظام الرأسمالي، يجري تشجيع مواطني بلدان العالم الثالث، على الهجرة إلى بلدان المركز، لمعالجة النقص في العمالة، ولتسيير دفة المصانع بسهولة، ويسر. أما في حالة الانكماش، فتسود البطالة وترتفع معدلات الجريمة، بما يهدد السلم الاجتماعي. وتتعزز النزعات القومية، وتتصاعد الدعوات لمحاربة الهجرة، بل والمطالبة بطرد المهاجرين. إذن، فإن أوروبا تعاني، في المرحلة الراهنة، أزمات اقتصادية مستعصية. والحلول المطروحة لمعالجتها هي أشبه بالمهدئات، التي لا ترقى لمعالجة الأزمة من جذورها.

والمعضلة الاقتصادية الأوروبية، تبدو مركّبة، ذلك لأن المألوف هو وجود تلازم بين الانكماش، وتراجع التضخم. لكن الواقع الراهن، يؤكد تلازماً غير مألوف بين ظاهرتي التضخم والانكماش، حيث تطغى حالة الانكماش، على السياسات الأوروبية بمجملها، بينما ترتفع أسعار المواد الأساسية في الأسواق الأوروبية، من غير ضوابط.

على صعيد السياسات الدولية، لا توجد فوارق جوهرية بين النظم الأوروبية، سواء كان المهيمن على سدة الحكم فيها، هو اليمين أو اليسار، فكلاهما كما تم توصيفها من قبل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لا يختلفان عن بعضهما بعضاً.

في هذا السياق، لا يمكن الحديث عمّا يجري في القارة الأوروبية، من دون الحديث عن الولايات المتحدة الأمريكية، التي ستشهد في نوفمبر من هذا العام، انتخاب رئيس أمريكي جديد لها. ويبدو ضمن المنظور الراهن، وبعد المناظرة التي جرت بين الرئيس جو بايدن، والرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، أن الأخير قد يحظى بالوصول إلى البيت الأبيض، خاصة بعد تمسك الديمقراطيين بمرشحهم، إذ كان من المتوقع بعد المناظرة، أن يعيد الديمقراطيون حساباتهم، ويختاروا مرشحاً رئاسياً آخر، لكنهم آثروا التمسك ببايدن. هناك من يتوقع أن ينسحب الرئيس بعد وصوله للبيت الأبيض، لمصلحة نائبته كمالا هاريس. لكن ذلك لا يمكن الجزم به الآن.

في حالة وصول ترامب، لسدة الحكم، سيحدث تغيرات جوهرية في السياسة الأمريكية، وبشكل خاص ما يتعلق بالعملية العسكرية الخاصة التي تنفذها روسيا في أوكرانيا. فقد قال بصريح العبارة، إنه لن يدعم حكومة زيلينسكي في هذه الحرب، وأنه يتفهم المخاوف الروسية، من ضم أوكرانيا للناتو، لأن ذلك هو بمثابة وضع مسدس في رقبة الاتحاد الروسي.

أما في ما يتعلق بحرب الإبادة التي تشنها إسرائيل، على غزة والفلسطينيين، فإن موقف كلا المرشحين، مساند بلا حدود للعدوان الاسرائيلي، ولن يغير من واقع الحال، سوى الموقف العربي، حين يتمسك في علاقته مع الغير بالندية، والتكافؤ، واحترام الحقوق.