آخر تحديث: 23 / 6 / 2024م - 9:46 م

فضاءات الطبيعة في جزيرة تاروت

عباس سالم

جزيرة تاروت من أقدم المناطق السكنية في الخليج العربي ومركزاً هاماً للحضارات المتعاقبة عبر التاريخ، وهي غنية بالمواقع الأثرية التي تدل على عراقتها وقلعتها الخالدة ”قلعة تاروت“ التي تعود إلى العصور المبكرة شاهداً على ذلك، وموقعها الجغرافي على الخليج العربي جعلها مركزاً هاماً للتجارة والزراعة حول العالم في الزمن الماضي.

التكوين الرباني للطبيعة الخلابة التي كانت تتميز بها ”جزيرة تاروت“ ثاني أكبر جزيرة واقعة على الخليج العربي بعد جزيرة البحرين، انعكس على جمال الروح لأهلها الذين ارتبطوا بالطبيعة في مزارعها وبساتينها التي كانت تغطي الجزء الأكبر من مساحتها، وجعلتهم يلتمون حول السفرة المصنوعة من سعف النخيل التي تضللهم بالقرب من الساقية.

البساتين والمزارع في بلدتي التي رأينا جمالها واستمتعنا بضلال أشجارها ونخيلها أعرفها من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، وفي كل يوم ألتقي مع أصدقاء الطفولة والصبا لنختفي كالسراب في البساتين والمزارع نمر بين النخيل الباسقات والأشجار بحثاً عن أعشاش الحمام وبعض الطيور لنصطاد صغارها، كنا وحوشاً آدميين تخاف منا العصافير والطيور المهاجرة التي عرفت الأمان في جزيرة تاروت.

كانت المدرسة الابتدائية والمتوسطة الوحيدتين في البلدة مبنيتين بين البساتين والمزارع وكانت خرائط شبكة الطرق المؤدية إليها ترابية، وكنا نسير عليها بأقدامنا الحافيات مسافات طويلة قبل أن يظهر إلينا بياض جدران المدرسة، نمشي المسافات كل صباح ونعود ظهراً عبر الطرق الترابية الوعرة، نمر فيها بين واحات النخيل الجميلة للوصول إلى المدرسة، لكنه لم تمنعنا الطرق الوعرة ولا حرارة الصيف الملتهبة أو برودة الشتاء القارص ولا الأمطار الغزيرة من الذهاب إلى المدرسة.

من وسط بساتين ومزارع ”جزيرة تاروت“ انبثقت ملامح ثقافية لشخصيات كثيرة في ذلك الجيل كانت جاهزة لخدمة وطنها والتأسيس لمستقبل البلاد المبشر بالخير، قبل أن تتمدد الأجيال في جزيرتنا بالعلم والمعرفة، وتنتشر فيها مختلف اللغات والثقافات من شرق الأرض وغربها، الذي تسبب بظهور شيء مختلف في حياتنا تجلى بعد ظهور نعمة الثروة الوطنية ”البترول“ حيث ترك الكثير من الناس العمل في الزراعة والبحر والالتحاق بالعمل مع الشركات العالمية التي جاءت لاستخراج البترول.

جمال دورة ألوان الطبيعة أراها على الأشجار في بساتين ومزارع بلدتي وأستمتع بمناظر الأزهار التي تتلألأ عليها الفراشات الجميلة، كنت أرى الفلاحين من أبناء بلدتي رحم الله الماضين وأطال عمر الباقين وهم ذاهبون إلى مزارعهم قبل طلوع الشمس، وتبهرني روعة الفلاح في حرث الأرض بعد انتهاء موسم الحصاد، فتتكاثر الطيور المهاجرة في المكان وتجلس لأيام تأكل الحشرات من أرض الله الواسعة مكملة دورة الحياة في الطبيعة قبل أن تغادر المكان عائدة إلى أماكنها الأصلية.

بين بساتين بلدتي هناك حكايات وأساطير يحملها أهالي البلدة تكثر فيها الخرافات، حيث تمتزج الأرواح بالحكايات حينما تخاطب الأجساد مجموعة من الأحجار المركونة على أطراف الساقية يعرفها الناس في بلدتي بـ ”بنت حيدر“، حيث اعتادت بعض النسوة بزيارة المكان للتبرك بها، يأتون ومعهم الحلويات والبيض البلدي وبعض المأكولات الطازجة مثل العصيدة وأخواتها المدهونة بدهن البقر البلدي، وتوضع بالقرب من الأحجار الثلاث اعتقاداً من صاحبة الدعوة بتلبية ما تتمناه وتطلبه، ودورنا نحن مراقبة المكان قبل أن نمشي حافيين القدمين نعبر طين الساقية الضيقة لنصل إلى المكان ونأخذ نصيبنا من بركات الخرافة.

نذهب إلى البحر مشياً في الصباح نصطاد الأسماك باليدين بين الخرسان وبالخيط والميدار على ساحل البحر، ونعود ظهراً حافيي القدمين تحرق أقدمنا حرارة الأرض الملتهبة قبل أن نصل إلى ضلال البساتين والمزارع، ونعبر بين طرقاتها بخطوات العابرين نشرب من مياه عيونها ونسبح فيها إلى أن تبرد أجسادنا وترتوي بطوننا من المياه الباردة التي تتدفق من العيون الطبيعية، ثم نستعد لمغادرة المكان عائدين إلى منازلنا.

يستهويني المرور على سواحل بلدتي ”جزيرة تاروت“ وبالخصوص ساحل ”الرفيعة“ وهو الساحل الشرقي للجزيرة، فأستمتع بزرقة السماء وبياض رملته الجميلة التي أسترخي عليها لشم الهواء العليل ورؤية السفن وهي تسبح بانتظام فوق مياه البحر الزرقاء محملة بخيرات الأرض، والبحارة من أبناء بلدتي وهم يشقون طريقهم داخل البحر لمباراة الحضور وتحميل خيرات ما في الحضرة من أسماك مختلفة الألوان والأشكال.

عشنا أجمل أيام طفولتنا نلعب حافيي القدمين بين الأشجار والنخيل في البساتين والمزارع نقطف ما تشتهيه أنفسنا من ثمارها، وحينما أستحضر أيام شقاوة طفولتنا التي ملأت قلوبنا بالسعادة والشقاء مع رفقاء الطفولة والصبا، ونعيد شريط الذكريات لسرد المواقف والقصص التي مررنا بها في المزارع والبساتين، التي أمتعتنا ثمار أشجارها حينما نقطف التين والرمان ونتسلق أشجار اللوز والتوت كسناجيب جائعة من البساتين والمزارع التي كانت تحيط بجدران الطين لمسجد الخضر.

وفي الختام: لم أكن أتوقع بأن ينتهي جمال فضاءات الطبيعة في جزيرة تاروت بهذا الشكل! بعد أن قُطِعَتْ الأراضي الزراعية والبساتين إلى قطع صغيرة وتحويلها إلى بيوتات مختلفة الألوان والأشكال تباع بأغلى الأثمان، وأصبح بالإمكان رؤية بياضها من كل الاتجاهات، بعد أن كانت رؤية البياض مقتصرة على جدران حيطان المدرسة الابتدائية والمتوسطة عندما نعبر الطرق الضيقة بين البساتين والمزارع.