آخر تحديث: 28 / 5 / 2024م - 5:01 م

أين المعنى؟

محمد العلي * مجلة اليمامة

هل تستطيع أن تصف شعورك، وأنت ترى الأشياء فجأة بلا معنى؟ تلك حالة انفعال عاصف مرت بي، وقد كتبت تحت تأثيرها قصيدة على شكل مقالة نشرت هنا تحت عنوان «كفى» وكنت أظن أنها ستثير أسئلة عديدة من القراء، ولكن ظني كان في واد صوفي، والقراء لكل واديه. فقد مرت كسحابة صيف كما يقول القدماء، لم تحرك أي دافع لسؤال نفسي أو فلسفي لأي قارئ.

تلك الحالة لا تعني فقدان الذاكرة وحسب، بل تعني فقدان الإحساس بالزمن، والشعور الصاعق بأن كل القيم التي بناها الإنسان في مسيرته التاريخية كانت وهما، وأن لا شيء يستحق الحياة. هنا ينشب الفراغ أظفاره؛ ليحيلك إلى كرة تلعب بها الرياح، فلا إرادة لك، وبصورة سريالية يزول الفرق في إحساسك بين الوجود والعدم، والليل والنهار، ولا يغيثك من الهاوية أي نداء.

حالة الضياع تلك انعكست على القصيدة/المقال، فبعد أن قرأتها، بعد نشرها، اتضحت الفجوات والتباعد بين مكوناتها، فاستخدام شخصية غيلان كان مضطربا بين القرين النفسي تارة والشخصية التاريخية تارة أخرى، وبينما نقرأ في المطلع ما يوحي بالثقة، والسير إلى نهاية مرتجاة، نصدم بعدها بما يوحي باليأس «ما الذي سوف يأتي وقد جف نهر الزمان/ وغاضت من البحر زرقته؟»

هل هذا فعل اشتراك الوعي واللاوعي في النص، بحيث تنعكس عشوائية اللاوعي على النص كما يقال نفسيا؟ أم هو مجرد تجسيد لاضطراب الحالة؟ لك أن تقول ما تريد؛ لأن عالم النص يختلف بالضرورة عن عالم الواقع فهو عالم في وسع خيالك أن يعاقر جميع حرياته بدون عائق.

أعتقد أن هذه الحالة مرت وتمر على كثير ممن أصيبوا بما يسمونه نفسيا «الإحباط» وأفدح الحالات العاصفة في ثقافتنا، كما أعتقد، هي حالة أبي حيان، حيث يبلغ الإنسان مرحلة من الإحباط يكون فيها «حتى في غربته غريبا» ولا يجد، إطفاء لما يعانيه من بركان داخلي، إلا نوعا من الانتقام يهدم كل ما بناه، فيحرق كتبه، ويهيم في الصحراء حتى الموت.

أبو حيان كان مدركا لحاته، فهي لم تكن حالة لاشعورية، بل أوضح هو أسبابها، وكانت تلك الأسباب أسبابا خارجية، لم تشتعل من داخله. ولا أعرف ماذا تسمى نفسيا. أما ما يعنينا فهو ما ينفجر داخليا، دون أن تعرف له سببا واضحا.

كاتب وأديب