آخر تحديث: 17 / 6 / 2024م - 1:42 م

موت لك.. فرج لي

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

من الأمثال العربية القديمة، التي راجت وجرى استخدامها في مناسبات عديدة، المثل الذي تصدر هذا الحديث. والمعنى في المجال الاقتصادي يشير بوضوح إلى أن موت الدائن، حين لا يكون له وارث هو مكسب للمدين، وحتى في ظل وجود ورثة تكون وفاة الدائن مدعاة للتأجيل ولو إلى حين. وقد استخدم هذا المثل في مجالات أخرى، تشير في مضمونها إلى المعنى ذاته.

في الحرب التي تُشن على غزة الآن من قبل إسرائيل، تماهت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، بالمطلق مع السياسة الإسرائيلية، وقدمت مختلف أشكال الدعم، بحيث تكرر الحديث عن وجود جسر جوي بين واشنطن وتل أبيب، لنقل الأسلحة والذخائر، لاستخدامها في الحرب ضد الفلسطينيين في غزة.

في الحرب التي شنتها روسيا على أوكرانيا، في 24 فبراير/ شباط عام 2022، دعمت الولايات المتحدة حكومة زيلينسكي، عسكرياً وسياسياً، وبقوة، وذلك أمر له ما يبرره. فالحرب الروسية شُنت بالأساس لمنع أوكرانيا من الالتحاق بحلف الناتو، حيث سيكون ذلك لو تحقق بمثابة مسدس فوق رقبة الأمن القومي الروسي. وقد أرادت إدارة الرئيس الأمريكي بايدن، أن تحوّل الهجوم الروسي إلى فرصة، تستنزف من خلالها قوتها العسكرية والاقتصادية. إضافة إلى أنها ستكشف نوعية الأسلحة التي صنعتها، والتي بقيت مجهولة للأمريكيين.

ومع أن هذه الحرب قد طالت أكثر مما هو متوقع، فإن روسيا تمكنت من خلال احتلالها بعض الأراضي الأوكرانية، خاصة تلك التي يسكنها ناطقون باللغة الروسية، من توسيع دائرة عمقها الاستراتيجي، والهزائم المتكررة للجيش الأوكراني لم تدفع بأمريكا إلى مراجعة مواقفها، بل واصلت دعمها بقوة لأوكرانيا، وتبعتها بريطانيا وألمانيا وعدد آخر من الدول الأوروبية، في تقديم مختلف أشكال الدعم.

الحرب الدائرة في غزة، وانهماك الإدارة الأمريكية في تفاصيلها، جعل واشنطن، من وجهة نظر كثير من المحللين السياسيين، ومعاهد الدراسات الاستراتيجية، شريكة كاملة فيها. وكان من نتائج ذلك أن تراجع الاهتمام الأمريكي والأوروبي، بما يجري فوق الأراضي الأوكرانية.

ليس ذلك فحسب، بل إن إسرائيل ذاتها حليف مهم لأوكرانيا، ضد روسيا، وقد قدمت بعض أشكال الدعم العسكري، بما في ذلك خبراتها القتالية، وبعض المتطوعين اليهود من الأصول الأوكرانية. وذلك أمر مفهوم، إذا ما ربطناه بتحالفها مع الغرب، ضد روسيا بوتين.

في الحرب التي تشنها إسرائيل على غزة الآن، تراجع الاهتمام الأمريكي والإسرائيلي معاً، بما يجري على الجبهة الأوكرانية. وقد تنبه الرئيس الروسي بوتين لهذا التراجع، واعتبره فرصة ينبغي استثمارها بقوة. واتسمت سياسته تجاه ما يجري على أرض غزة في الأيام الأولى بالسلبية، مكتفياً بالإدانة الخجولة للعدوان، وربما هدف من هذه السياسة إلى إشغال الإدارة الأمريكية وحلفائها بما يجري في غزة، وترك المجال له لشن هجمات ماحقة على الجيش الأوكراني، في ظل غفلة أمريكية.

قبل عدة أيام شنت روسيا أكبر قصف جوي على أوكرانيا، منذ بداية الحرب، شمل تنفيذ خمسين غارة جماعية على الأراضي الأوكرانية، وصفه مسؤول رفيع في الأمم المتحدة بالاعتداءات المروعة، وتسبب في مصرع ثلاثين أوكرانياً على الأقل بحسب تصريحات كييف. وقد دفع ذلك بالرئيس الأمريكي، يوم الجمعة الماضي، إلى حض الكونغرس على اتخاذ خطوات طارئة وسريعة، معتبراً هذا الهجوم رغبة روسية في محو أوكرانيا من الخارطة.

وقد دفعت التطورات العسكرية في أوكرانيا ببعض المحللين العسكريين للتنبؤ بأن عام 2024 سوف يشهد نهاية الحرب، برفع أوكرانيا الراية البيضاء، وإبلاغ الحكومة الروسية باستعدادها للدخول في مفاوضات مباشرة معها، للتوصل إلى حل سلمي للأزمة، بعد أن بات متعذراً حسمها عسكرياً. وإذا ما تحقق ذلك فسيكون من المستبعد وغير المنطقي ربط هذه التطورات بما يجري من عدوان إسرائيلي على غزة، قرابة ثلاثة أشهر، الذي كرس معادلة جديدة في الصراع الأوكراني، تمثلت في دعم عسكري أمريكي لا محدود لإسرائيل، وتقليص هذا الدعم على الساحة الأوكرانية، ولتكون روسيا هي المستفيد الوحيد من هذه المعادلة، وليحضر المثل العربي: «موت لك.. فرج لي».