آخر تحديث: 23 / 6 / 2024م - 1:15 م

ارتعاشة الصور المروعة

أثير السادة * صحيفة الوطن

منذ بداية الأحداث في غزة، وتصاعد العدوان الإسرائيلي على البشر والحجر، أخذت الصورة القادمة من هناك مساحات واسعة من اهتمامات الناس ومشاهداتهم، لم يكن استثنائيا أن تضعنا الصورة على تخوم الحرب، نطالع ونقلب الأحداث شهود عيان، فهذه سيرة الإعلام الحربي المصاحب لمناطق النزاع، لكن الاستثنائي هو هذا الدفع باتجاه تحرير الصورة من مساءلاتها الأخلاقية الباردة، عن اللائق وغير اللائق، فالصورة هنا ليست للإخبار والتوثيق، بل محمولة على رغبة التحريض والتأثير، وقبل ذلك الإدانة لضمير عالمي كان يستتر خلف عباءة اللغة لتمرير كل هذه الجرائم المستمرة.

أمام أطنان الذخائر والقنابل التي تلقى على رؤوس الناس هناك، لم يكن أمام الناس إلا التمترس وراء الصورة، وجعلها درعهم لفضح الكسل الذي يعتري ضمائر المتفرجين من خلف الشاشات، لخلق ارتعاشة خوف من هذا الموت المسكوب بالمجان على رؤوس الأبرياء، لا تكفي الصورة لتجعلنا نشم رائحة الحريق، والبارود، والجثث المتكدسة من وراء ركام المباني المهدمة، إلا أن هذا الغيم الكثيف من الصور كاف ليمطرنا بالأحاسيس التي تجعل الحياة التي نراها خلف الصور ضرباً من الكابوس، الأفق الضيق الذي يعيشه المواطن هناك وهو يتعلق بأمل صغير ليحيا وسط النيران، هو ما يجعله يتشبث بالصورة وقسوتها لتحريك القلوب التي نسيت إيقاع نبضها في لحظة التطبيع مع صور الموت.

كأنها الشمس وهي تكشف ما احتجب عن أنظارنا في سواد الليل، تأتي الصورة لتفسد علينا رغبة النسيان، نسيان أننا جميعاً شهود على زمن تحولت فيه مدونات حقوق الإنسان إلى رماد، والمواثيق الدولية إلى صحراء جرداء من المعنى، فالصورة هنا بمثابة العقاب للذين يحرسون سكينتهم بعيدا عن كثافة الموت وصوره، يبالغ العدو في قتله فيبالغ الضحايا في وصف أوجاعهم بالصورة، لتجعل من فعل الفرجة مشيا ثقيلا في ليل الجنائز، وترنحا على حد الشعور بالعجز من استعادة الصباح لأولئك الأطفال الذين شاهدنا أرواحهم مراراً وهي تزرع في الأرض شتلات الغضب ضد زمن رديء، يتضامن ضدهم، ويتظاهر أمامهم بالصمم.

لا أحد يسأل اليوم في جنون الحرب عن حضور الموت في الصورة، عن وخز يومي يضعنا على حد الشهقة من فداحة الدمار الذي يشرع الأبواب على حميم الموت دون حساب، لا أحد معني بتخفيف جرعات الصدمة التي تحملها الصورة، كما اعتادت المواقع وهي تحذرنا من المحتوى الصادم، فحتى هذا الإجراء يبدو في نظر الضحايا تآمر لمحاصرة القلق من أن يتسلل إلى العالم، ومن أن يخرج كصرخة في وجه إعلام يحاصرهم بتجاهله وتزويره، وتهميش حقيقة الألم والمعاناة في سجن مفتوح ومحاصر في ذات الوقت، قبل أن يستحيل مع الأحداث إلى مذبح عظيم هو الدليل على شهوة القتل التي لم تفارق الصهيونية منذ مذبحة دير ياسين وحتى اليوم.

قاسية جداً هي الصور القادمة من أزقة الموت، لكنها نجحت في فتح هوة في جدار الصمت الإعلامي الغربي، كادت القضية تذوب في سرديات «حق الرد» لولا هذا الفضح اليومي لجنون لا علاقة له بمحو مجموعة مسلحة، بل بمحو أجساد شعب كامل ما زال يفسد أساطيرهم عن «أرض بلا شعب». جاءت الصور المروعة لترفع الغطاء الأخلاقي عن وحش لا يشبع من القتل، وعن ضمير عالمي لا يكف عن الكيل بمكيالين، لتضعنا جميعاً أمام مسؤولياتنا الأخلاقية، في معركة تحاصر فيها حتى مشاعرنا، ويراد لنا أن نغمض أعيننا، دون النظر في دفاتر العدوان. وحدها الصورة قادرة على إزاحة الصمت وحمل طوفان الموت إلى العالم، لنجد معها انعطافة في طبيعة التلقي عن الآخر الغربي لهذه الأحداث، في تغطياته ولغته، وفي تفاعل ناسه الذين بدأوا يتحدثون علناً عن صدمتهم، وعن تعاطفهم مع بشر محاصرين بين خياري الموت والتهجير، فيختارون الموت في أرضهم.