آخر تحديث: 21 / 6 / 2024م - 1:01 ص

ما قبل أحداث غزة ليس كما بعدها

محمد الحرز * صحيفة اليوم

- اللغة لا تسعفك ولا يمكنها أن تمد يد العون كي ترفع عن صدرك صخرة الصمت، لا يتاح لك سوى النفس المتقطع الذي يكفي يومك كي تعيش.

- هذه اللغة التي نسرع للجوء إليها كلما داهمتنا أحداث يصعب تصورها فضلا عن الكلام حولها. ما يجري في غزة يتطابق وهذه الحالة، تحاول أن تبحث في قواميس اللغة عن كلمات قادرة على وصف ما لا يمكن استيعابه بالنظر فما بالك لو كان بالكلام أو الكتابة، هناك بون شاسع بين ما نراه - إذا كنا نستطيع أن ننظر - من مجازر ومذابح لأبناء غزة وبين ما نحاول باللغة أو بالكلام التعبير عما ينفجر في داخلنا من مشاعر، بل حتى المشاعر التي يمكن أن يلتقطها أي شخص للتعبير عما يجري حوله بسهولة تامة، لا يمكنها وهي أمام مشاهد أجساد الأطفال الممزقة تحت الأنقاض أن تكون مطواعة وسريعة التدفق، الذهول هنا هو سيد الموقف، والصمت هو العلامة على هذا الذهول.. لكننا بالنهاية نكتفي بالقليل من الكلام أو الكتابة حتى يتسرب من خلالها ما لم نكن قادرين على التقاط المشهد كاملا.

- أعلم أن تاريخ العالم لم يخلو يوما من المآسي الكبرى والمذابح الوحشية التي خلدتها الأيام غير أن ما يميز المآسي المعاصرة منذ الحرب العالمية الثانية وما بعدها هو إمكانية العالم أن يشاهد الحروب وويلاتها والدمار الذي يلحق بالأبرياء والضحايا على الهواء مباشرة من خلال مؤسسات الإعلام أو من خلال قنوات التواصل الاجتماعي وكأن الفرد وهو يتابع ويسمع ويرى أمام فيلم سينمائي لا يخلو من تفاصيل صغيرة، لم تكن ما قبل التطور الإعلامي باستطاعتها أن تصبح الصورة بهذا الوضوح أمام المشاهد.

- من هذا المنطلق حدث غزة فارق ومفصلي ضمن هذا التصور. يقولون ما قبل 7 أكتوبر ليس مثل الذي بعده، وهو أمر صحيح وذلك للانعطافة الكبرى التي أثر فيها الحدث على حياة الغزاويين والسلطة المحتلة، وقد يتناول المحللون السياسيون جوانب عديدة من هذا الحدث تدعم مقولة ما قبل 7 أكتوبر ليس كما بعدها.

- ولكن كل هذه الجوانب ترتبط بالجانب السياسي للقضية الفلسطينية. لكن لو نظرنا خارج إطار الوضع السياسي، وربطنا تلك المقولة «ما قبل 7 أكتوبر ليس كما بعدها» بالأثر الذي تركته المجازر الإسرائلية على الشعب الفلسطيني، لرأينا التغيرات الكبرى الذي أحدثه هذا الأثر على المجتمعات الغربية والأمريكية.

- من يتابع جميع قنوات التواصل الاجتماعي يرى كيف تحول المزاج العام الغربي والأمريكي من تأييد مطلق لإسرائيل إلى تساؤل وبحث واطلاع على تاريخ القضية الفلسطينية مواكبة لما يشاهدونه من قتل للأطفال الفلسطينيين، وأصبح التساؤل الاستنكاري، في أغلب الحسابات سواء على منصة أكس أو التيك توك أو السناب شات عن ربط الإرهاب بالمسلمين أو ربط مناصرة الفلسطينيين بمعاداة السامية هو الأكثر تحليلا ومناقشة.

- وكأن المجتمعات الغربية تنبهت للتو إلى عدالة القضية الفلسطينية بعدما كانت الآلة الإعلامية الصهيونية مسيطرة على مفاصل المؤسسات الدعائية ولا زالت كذلك، وليست المظاهرات التي ظهرت في أغلب عواصم العالم سوى دليل على مثل هذا التحول في المزاج، رغم أنه كان في السابق تحدث تظاهرات داعمة للقضية الفلسطينية. لكنها لم تكن بهذا الزخم الحالي الذي يشهده العالم.

- ولولا حيوية المجتمعات الغربية وقيمة الحرية التي ورثتها من تاريخها لما رأينا الأصوات ترتفع ضد السياسات التي ينتهجها رؤوساء هذه الدول وحكوماتها ولما رأينا التعاطف العالمي من أفراد ومؤسسات أهلية آمنت بقداسة الحياة الإنسانية وقداسة حريتها عند كل الشعوب، وهذا ما يجعلنا واثقين أن أبناء الشعب الفلسطيني سيطردون المحتل عاجلا أم آجلا.