آخر تحديث: 21 / 7 / 2024م - 9:51 م

أدب الجنّ

عبدالله بن علي الرستم

تعود اهتماماتي لأدبّ الجنّ منذ فترة ليست باليسيرة، فقد كانت فكرة مهملة في خبايا الذاكرة، ومع الوقت زاد الولوع بها، وهذا هو حال تفاعلي مع بعض المواضيع التي تأسرني حيناً، أن أسعى لجمع أكبر قدر ممكن من الدراسات والمصادر حول هذا الأمر، ولجمع هذه الدراسات المرتبطة بأدب الجنّ قصةٌ أضحكت أصدقائي الورّاقين، فبين ضاحكٍ من غرابة الموضوع، وآخر طالباً منّي التعوّذ من استمرارية البحث فيه، وما يزيد الأمر ظرافة أن الذي يطلب منّي التعوّذ كلّما خرجتُ من عنده خالي الوفاض، إلا وجدتُ ضالتي في مكتبة أخرى، وهكذا حتى تكوّنت لديّ أكثر من عشرين دراسة فيما يتعلق بأدب الجن، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: «كتاب الهواتف لابن أبي الدنيا ”ت 281 هـ“، آكام المرجان في أحكام الجان لبدر الدين الشبلي ”ت 769 هـ“، مسند الجن لأبي الفيض أحمد الغماري ”1380 هـ“، معجم أعلام الجن للمعاصر الشيخ عبدالرسول زين الدين، الجن والشياطين بين العلم والدين لرياض العبدالله» وغيرها كثير.

وغرض الاطلاع على هذه الدراسات - والتي هي بين مؤيد ومعارض - للاطلاع على الآراء المتباينة، والتعرف على تنوّع الأفكار المتلاقحة حيال موضوع فيه من الاختلاف الكثير، ففي اختلاف الآراء سعة في المدارك العقلية، وتعاط هادئ لمن يروم التوصل إلى قناعات أكثر موضوعية وحيادية، وكذلك قراءةٌ في كيفية تناول الباحثين للموضوع من زوايا قد لا تخطر على البال. وما أدبُ الجنّ إلا من تلك المواضيع التي اختلفت حوله الآراء بين ممسك بزمام الأمر بحيادية، وثانٍ نافٍ برمّته لما ورد من شعرٍ في هذا الجانب، وطرف آخر مؤيدٌ له بقوّة، والباحث الجاد لا يمكن له أن يتجهم في جزءٍ انبلجت منها الحقيقة.

نعم.. ذهب بعض الدارسين إلى النفي المطلق متكئّاً على ما شذَّ من أبيات قد لا تتناسب مع ما قيل بحق الجن وشعرهم، أو استند إلى بعض الآراء التي انطلقت من تفسيرات اجتماعية أو رؤى فلسفية قد لا تنطبق على كل ما نقله التاريخ لنا حول ما يسمّى بأدب الجن، وما أحرى بالباحث المنصف قبل الحكم أن يتعاطى بشمولية الموضوع «قرآنياً، فقهياً، روائياً، أدبياً، تاريخياً» بمعيّة ما طرحته الدراسات المعاصرة في العلوم التجريبية «اجتماعياً، نفسياً»، خصوصاً وأن هناك تركةً كبيرةً روتها لنا كتب التراث ذات صلة بالجن وقصصهم وشعرهم، وقبلهم فقد ذكر ذلك القرآن الكريم، ما يعني أن الموضوع يحتمل الدراسة من جوانب متعددة؛ بغية الوصول إلى تفسيراتٍ تتناسب مع قدراتنا العقلية في فهم الجنّ وما نُسب لهم من أدب وشعر وقصص، علماً أن بعض الدارسين «قد» يكتب دراسة حول هذا الأمر وأحكام النفي جاهزة بحجّة أنه لا يرى إمكانية حدوث ذلك!! في حين أن بعض أدلة نفي الشعر عن الجن مقبولة، وبعضها الآخر لا يستقيم مع تلك التركة الكبيرة من التراث حول ما نُسب للجن.

وفي هذا الصدد قد يذهب بعض الباحثين أن دراسة مثل هذه المسائل مضيعة للوقت والجهد، وذات جدوى ضئيلة، وهذا رأيٌ قد يكون ناتجاً عن عدم عناية وإدراك، ذلك أنه في المقابل أن العلم الحديث لا زال يدرس هذه المسألة مفسّراً لها وفق معطيات العلوم المعاصرة مثل علمي: «النفس والاجتماع»، خصوصاً وأن شيئاً كهذا لا زال حاضراً في ثقافتنا الشعبية، بل وبقوّة، وتأكيداً لذلك ما إن يُفتح حديث الجنّ في جلسة ما، إلا وترى الشواهد والقصص تترى من كل جانب، علماً أن هناك من يتعاطى مع الموضوع برؤية موضوعية، وأخرى كجزء من الخيال الشعبي المهيمن على ثقافتنا إزاءه، وفي هذا الصدد تستحضرني رواية «الجنّية» للدكتور/ غازي القصيبي، الذي استعان بصديقٍ له في قراءة دراسات وكتب عن الجن قبل أن يُقدم على كتابة روايته آنفة الذكر.

الخلاصة:

الحكم على أن ليس للجن أدبٌ وشعرٌ رأي له أنصاره، وكذلك هناك أنصارٌ يرون حقيقته، ولا يمكن الجزم أو الركون إلى رأي ما لم نستوفِ حقيقة البحث من جميع جوانبه العلمية والموضوعية، وهذا يستلزم أن يكون هناك متخصصون في كل علم لإعطاء الفكرة حجمها الطبيعي.