آخر تحديث: 12 / 4 / 2024م - 2:28 م

في الأزمة الاقتصادية الأمريكية

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

كما في معظم الدول التي تتبنى النهج السياسي الغربي، يتناوب على السلطة في أمريكا حزبان سياسيان، أحدهما يتبنّى مبدأ الحرية الاقتصادية، بالطريقة الكلاسيكية التي عبّر عنها مبدأ آدم سميث في كتابه «ثروة الشعوب» بشعار «دعه يعمل». أما الآخر، فيتبني النظرية الفابية، التي تعتمد برنامج «دولة الرفاه». وترى هذه النظرية أن الطبقة المتوسطة هي العمود الفقري للاقتصاد، وأن دوام حيويتها وبقائها يعتمد إلى حد كبير، على توفر السيولة المالية لدى القاعدة العريضة من الجمهور.

يتبنى الحزب الجمهوري المنهج الذي يدعو لتخفيض الضرائب، وتحجيم دور الدولة لصالح الكارتلات الاقتصادية الكبرى. ومن شأن تبنّي هذه السياسة تراجع التضخم، وإلحاق الضرر بالطبقتين الدنيا والمتوسطة. أما الحزب الديمقراطي، فيستند إلى تضخيم دور الدولة، بزيادة نسبة الضرائب، وتسخير المداخيل لخدمة القطاعات الخدمية، ودعم قطاعي الصحة والتعليم، والخدمات الأساسية الأخرى. وفي هذه الحالة، ترتفع نسب الفوائد البنكية، والضرائب، ويعم التضخم في مختلف الأنشطة الاقتصادية.

وقد رأينا كيف تمكن الحزب الديمقراطي، بعد وصول باراك أوباما للحكم من معالجة الأزمة الاقتصادية التي نتجت عن أزمة الرهن العقاري التي تسببت في إفلاس مئات البنوك، وألقت بظلال كثيفة على الاقتصاد العالمي بأسره.

التسليم بهذه المقدمة، يعنى أن الأوضاع الاقتصادية بأمريكا يجب أن تكون في أحسن حال، كون الذي يقود السلطة الرئيس، جوزيف بايدن ينتمي إلى الحزب الديمقراطي، لكن ذلك لا يتسق مع الواقع الراهن بالبلاد. فالبلاد تعاني أزمة اقتصادية حادة، لم تشهدها، في ظل هيمنة الحزب الديمقراطي على الحكم، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ولسنا بحاجة في هذه العجالة إلى سياق الكثير من الأمثلة للتأكيد على أن الولايات المتحدة الأمريكية، تشهد أزمة اقتصادية حادة، وغير مسبوقة في ظل سيطرة الديمقراطيين على الحكم. فقد بلغت حدة هذه الأزمة حد التهديد بالإغلاق الحكومي، نتيجة عجز الحكومة الفيدرالية عن تسديد رواتب الموظفين. وبات ما كان سابقاً، بالنسبة لقادة الحزب الديمقراطي محرماً، من عوائق الهجرة في خانة المسموح به. ويذكر أن تبنّي رئيس مجلس النواب الأمريكي، كيفن مكارثي للإغلاق الحكومي كان من أحد أسباب عزله عن رئاسة الكونغرس.

من جهة أخرى، وفي مواجهة تفشي ظاهرة البطالة عن العمل، أعلنت إدارة الرئيس بايدن مؤخراً، أنها ستضيف أجزاء إلى الجدار الحدودي مع المكسيك لمنع عمليات العبور القياسية للمهاجرين، فيما اعتبر الرئيس السابق دونالد تراب هذا القرار بمثابة «النصر» له، مطالباً الرئيس بايدن بالاعتذار، عن معارضته السابقة لهذا المشروع، الذي شكل أحد أهداف ترامب الرئيسية خلال رئاسته لبلاده.

يذكر في هذا السياق، أن إدارة بايدن تنازلت عن 26 قانوناً فيدرالياً في جنوب تكساس للسماح ببناء هذا الجدار الحدودي، ونشرت وزارة الأمن الداخلي الإعلان في السجل الفيدرالي الأمريكي، مع قليل من التفاصيل التي تحدد عملية البناء المقررة في مقاطعة ستار، التي تشهد ارتفاعاً في دخول المهاجرين، بحسب وكالة «أسوشيتد برس». وقال وزير الأمن الداخلي الأمريكي أليخاندرو مايوركاس: «هناك حالياً حاجة ماسة وفورية لبناء حواجز بالقرب من حدود الولايات المتحدة، من أجل منع الدخول غير القانوني».

ووصف النائب الديمقراطي من تكساس، هنري كويلر بناء الجدار الحدودي مع المكسيك، بأنه إهدار في إنفاق أموال دافعي الضرائب على جدار حدودي غير فعال.

وبسبب حدة الأزمة الاقتصادية التي تمر بها الولايات المتحدة، هناك تساؤلات وشكوك، من قبل أعضاء في الكونغرس وصحفيين نافذين في الإعلام الأمريكي، حول جدوى المساعدات العسكرية التي تقدمها بلادهم لدعم صمود أوكرانيا، في مواجهة العملية العسكرية الخاصة التي تقودها روسيا في شرق البلاد. وقد تزامن ذلك مع تحذيرات من قبل حلفاء أمريكا بالناتو وعلى رأسهم بريطانيا، من نفاد الأسلحة من المخازن، والمطالبة بتكثيف إنتاج الأسلحة لتمكين أوكرانيا من الصمود أمام القوة الروسية.

في المقابل، هناك صعود في علاقات الصين مع دول كانت حتى وقت قريب تحسب في قائمة أصدقاء الولايات المتحدة كالبرازيل، التي بدأت في التعامل مع الصين خارج إطار التعامل بالدولار كعملة صعبة. وتصعد روسيا بشكل متسارع، في بناء قوتها الصاروخية فرط الصوتية، وسفنها الحربية، بما يفوق كثيراً القدرات الأمريكية، وبما يؤكد بما لا يقبل الجدل عمق الأزمة الاقتصادي بأمريكا، وأننا أمام عالم متعدد الأقطاب، بثلاثة أركان أمريكي وصيني وروسي، وأنه لم يتبقّ الآن سوى التسليم بانبثاق النظام الدولي المعبّر عن حقائق القوة الدولية الراهنة.