آخر تحديث: 24 / 6 / 2024م - 1:51 ص

متى يتأنسن الإنسان؟

كاظم الشبيب

ترتقي الأمم عندما تستهدف بوصلة الجميع فيها، لا سيما قادة الهويات ومرشديها، أنسنة الإنسان، سعادته، رفاهيته، تزكيته، تطويره. حينها سوف تعمل جميع منظوماته الوطنية والدينية والإدارية والمالية والأخلاقية بما يشجع عامة الناس المختلفين على قبول الحب والمحبة. بمعنى أن الأمم إذا انحرفت بوصلتها عن مسار الأنسنة فإنها تفتح الأبواب المحتملة نحو الكره والكراهية بين أهل الهويات المختلفة.

الأنسنة بمعناها العام تجعل الهوية الوطنية ليست أرضاً مجردة فحسب، وليست أسرة وبيتاً فقط، بل هي اشتراك مع الآخرين في الحياة الحاضرة والثقافة المتداخلة والأمن والعدالة الاجتماعية والمستقبل المأمول والجامع للجميع. بهذا المعنى يحتاج قادة أهل كل هوية أن يكونوا بمثابة الكرّاز ليؤمن أتباعهم بضرورة الانصهار في الروح الوطنية بحب ومحبة. أو كما يقول الفيلسوف فريدريش نيتشه: إلى الأحزاب جميعاً: يحتاج كل راعٍ أبداً إلى كرّاز أيضاً، أو عليه أحياناً أن يكون هو نفسه الكراز. [1] .

الأنسنة بمعناها العام تتوافق مع جميع عبادات كل الأديان، ولا تتعارض معها مطلقاً. لأن العبادة هي فعل محبة قصوى، ومن يحب الله يحب بالتالي كل الموجودات التي خلقها الله. فالمحبة هي نبراس العبادة، وكل عبادة لا محبة فيها هي مجرد حركات تكرارية وعبارات صوتية جوفاء لا نتيجة فيها، بل هناك خطر في فهم العبادة على هذا الشكل، لأنها تؤدي إلى تخلص الإنسان من ذنوبه ووخز ضميره بمجموعة حركات وهمهمات لا تنفع ولا تضر. [2] .

والأنسنة كذلك لا يمكن أن تتحقق دون تفعيل المنظومة الأخلاقية في وجدان الأفراد، وفي بنية العلاقات الاجتماعية، وللغزالي في موسوعته ”إحياء علوم الدين“ حول المحبة والكراهية أصول عامة لطيفة، منها قوله: إن الألفة ثمرة حسن الخلق، والتفرق ثمرة سوء الخلق، فحسن الخلق يوجب التحاب والتآلف والتوافق، وسوء الخلق يثمر التباغض والتحاسد والتدابر. [3]  في المقطع المرفق إضاءة حول فكرة الأنسنة بعنوان عودة الأنسنة:

[1]  ما وراء الخير والشر، ص 122، فريدريش نيتشه. «الكراز: كبْش أجمّ يَجْعل الرَّاعي في عُنُقه جَرَسًا فَيَتْبعُه القطيع».

[2]  الدين والجمال، ص 111، د. أنور أبي خزام

[3]  الحب والكراهية، د. أحمد فؤاد الأهواني، ص 21.