آخر تحديث: 30 / 5 / 2024م - 11:19 ص

حاجة المنشآت متناهية الصغر والصغيرة لاهتمامٍ مُنفَردّ «3»

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال الاقتصادية

التحدي ليس خروج أية منشأة من السوق، فالمنشآت تدخل وتخرج من كل الأسواق. التحدي هو ألا تخرج منشأة مُبدعة ومُنتجة وبوسعها النجاح لكن تحيط بها سياجات“شائكة”.

وكيفما نظرنا إلى الأمر فالنموذج القائم لتأسيس منشأة نموذج عملها استقدام عمالة تدير المنشأة - وقد تتملكها باطنناً - ليتمتع المالك بالربح دون بذل كثير جهد، فكل ما عليه هو تلقي“الريع”. نموذج العمل الريعي هذا غير قابل للاستمرار في سياق رؤية المملكة 2030، ولا ينبغي له أن يستمر، حتى وإن كان مشروعاً غير متستر عليه.

الأصل في نماذج عمل المنشآت الربحية هو أن يؤسس المالك منشأة، لاسيما إن كانت متناهية الصغرّ أو صغيرة، ليكون هو أول العاملين فيها، باعتبار أن المنشأة توفر له عملاً يدر عليه دخلاً، وأنها تشبع شغفاً لديه. أما أن يؤسس المالك عملاً ليس له علاقة به إلا أن يجبي المعلوم نهاية كل شهر فهذه ممارسة ريعية غير انتاجية، فالمالك في هذه الحالة أسس منشأة بقصد تأجيرها، مستغلاً أن من حقهِ استقدام العمالة.

أذكر قبل سنوات أن ذهبت إلى صالون حلاقة، وأخذت أتحدث مع الحلاق عن زحمة الحلاقين في شارعهم، فابتسم قائلاً: كفيلي يملك أربعة صالونات متجاورة، ويؤجرها لنا بالكرسي، ويأتي نهاية كل شهر ليستلم أجرة الكراسي، ونتشارك نحن الحلاقين في دفع آجار المحل وتكلفة الماء والكهرباء وأية رسوم وحتى المخالفات. ما الذي أضافه“المالك”للاقتصاد من قيمة «أي من انتاج»؟ قد يقول قائل: وفر صالونات حلاقة، وهي خدمة يحتاجها الأشخاص. هذا صحيح، لكنه هو قرر أن يضخ في السوق 15 أو 20 كرسي، فهل الشارع أو الحي الذي أفتتح فيه الصالونات بحاجة لهذا الكم من“كراسي الحلاقة”؟ ثم أن القضية لا تقف عند“كراسي الحلاقة”بل تتعدها لكل نشاط تقريباً.

هذه ممارسة ريعية لا توفر فرص عمل حقيقية، بل تثقل الاقتصاد بأعباء دون توليد قيمة بالمقابل، فمن تلك الأعباء أن نموذج العمل الرَيعيّ هذا كَرّسَ لظاهرة أن ثمة وظائف وأعمال لا ينبغي أن يقوم بها المواطن! ما يدعو للاستغراب هو أنه لا بأس أن يؤسس مواطناً منشأة تقدم خدمة أو توفر منتجاً حتى وإن كان ذلك المواطن يعتقد أنه لا يليق به أن يمارسها، ولكن لا بأس أن يؤسس منشأةً تقدم خدمةً أو توفر منتجاً يترفع هو أن عن تقديمه أو انتاجه! إذاً هدفه من تأسيس المنشأة المال والمال فقط، فإن كان الأمر كذلك فليضع أمواله في وديعة أو مرابحة ويريح راسه!

وبسبب هذا التناقض فإن نموذج العمل الريعي المسيطر على شريحة واسعة من المنشآت متناهية الصغر والصغيرة، هو نموذج غير قابل للاستمرار لعدم اتساقه مع اقتصاد يتطلع أن يَخرُج من اعتماده على الريع ليعتمد على الإنتاج، ولا يعني الإنتاج أن يمارس المالك“الحلاقة”إن لم تكن لديه الرغبة والقدرة والمهارة، ولكن أن يساهم في أنشطة المحل الإدارية حتى تتطور المنشأة وتَكبرّ.

المثلبة الكبرى للاقتصاد الريعي أنه يعتمد على تلقي العائد ليس نظير انتاج بل نظير السماح لمستأجر المنشاة بالإنتاج، وبذلك تصبح بنية الاقتصاد ضعيفة لافتقارها لعدد من المقومات: التنوع الاقتصادي، نتيجةً لسيطرة القطاع الذي يوفر الريع «نفط أو غاز مثلاً»، وقطاع خاص مُبدع ومُنافس، نتيجة أن المهمة الرئيسة للقطاع الخاص هو تقديم خدمات أما جُلّ الانفاق فيأتي من الخزانة العامة. «يتبع»

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى