آخر تحديث: 12 / 4 / 2024م - 2:28 م

أحداث النيجر ليست مجرد انقلاب

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

يوم الأربعاء الماضي، الموافق 26 يوليو/ تموز، أعلن التلفزيون الوطني للنيجر، نجاح انقلاب عسكري، قاده رئيس الحرس الجمهوري، الجنرال عبد الرحمن تشاني، أطاح الرئيس المنتخب محمد مازوم. وقد حذر قادة الانقلاب في بيان لاحق من أي تدخل خارجي، وتعهدوا باحترام المواثيق والمعاهدات والاتفاقيات المبرمة مع الخارج، وأعلنوا تعليق العمل بدستور نوفمبر/ تشرين الثاني 2010، وحل المؤسسات المنبثقة عنه، وتعليق أنشطة الأحزاب السياسية حتى إشعار آخر. وأبان الانقلابيون أن المجلس الوطني لحماية البلاد، الذي شكلوه إثر العملية الانقلابية، سيتسلم المهام التشريعية والتنفيذية كاملة إلى حين العودة إلى النظام الدستوري المعلق؛ حيث سيتسلم رئيس المجلس منصب رئيس الدولة.

وفي معرض التبرير للعملية الانقلابية، أشار إلى الأوضاع الأمنية، وسوء الإدارة الاقتصادية والاجتماعية من قبل النظام.

وصفت مصادر عديدة، الجنرال عبد الرحمن تشاني برجل الظل، الذي يقود البلاد، فقد بات رئيساً للمجلس العسكري الذي يتولى السلطة. وأشارت مصادر صحفية نيجرية، إلى أن تشاني ليس شخصية توافقية معروفة، ولا يملك حضوراً في أوساط غير العسكريين. ووفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية، فإن العلاقة بين الجنرال والرئيس المعزول قد تدهورت، منذ عدة أشهر، وأنه كان صديقاً مقرباً من الرئيس السابق. كما أوضحت أن الرئيس مازوم، قد أعرب، قبل فترة وجيزة من إطاحته، عن رغبته في الاستعاضة عن تشاني برئيس جديد لحرسه. وإذا ما صدقت هذه القراءة، فإن الجنرال تغدى برئيسه قبل أن يتعشى به.

قوبل الانقلاب برفض شديد من الدول الغربية، وبشكل خاص من فرنسا التي يتواجد لها قرابة 1500 جندي فرنسي في عدد من القواعد العسكرية بالنيجر، إضافة إلى أن علاقتها بها تحمل إرثاً استعمارياً طويلاً، وهيمنة ثقافية، جعلت من الفرنسية اللغة الرسمية للنيجر. كانت مواقف الرئيس الفرنسي ماكرون غاضبة وحاسمة في رفض العملية الانقلابية.

وفي السياق ذاته، أعلنت واشنطن رفضها لما وصفته ب «الانقلاب على الديمقراطية»، وأوقفت شراكتها مع قادة نيامي الجدد، وطالبت بتوفير الحماية للرئيس المعزول. وفي اتصال مباشر لوزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن بالرئيس المعزول، قدم دعم الولايات المتحدة له، وأكد أن الإدارة الأمريكية ستعمل ما في وسعها لإعادته إلى سدة الرئاسة.

ويرى بعض المحللين السياسيين، أن هوية الرئيس المعزول، من الأسباب الجوهرية للانقلاب؛ ذلك أنه أول رئيس عربي يحكم البلاد منذ استقلالها. ويمثل المواطنون العرب في النيجر نسبة لا تتجاوز 1,5 في المئة من أصل 18 مليوناً هم جميع سكان البلاد. في حين تتجاوز نسبة السكان من أصول إفريقية ما يربو على 98 في المئة.

بمعنى آخر، فإن للانقلاب حسب رأي بعض المحللين السياسيين أسبابه العنصرية، وإذا صدقت هذه القراءة، فإنها تكشف بما لا يقبل الشك، عن هشاشة الدولة، وضعف هياكلها السياسية والاجتماعية، وعدم ترسخ مفهوم المواطنة لدى سكانها؛ وذلك ما يوضح أسباب الانقلابات المتكررة التي شهدتها البلاد. وقد جعلت هذه الانقلابات من البلاد مرتعاً للتدخلات الخارجية.

ومن جهة أخرى، يطرح كثير من المتابعين لما يجري بالقارة الإفريقية، والمحللين السياسيين علامات استفهام كبيرة حول دور مفترض لروسيا في تدبير هذا الانقلاب، على الرغم من أن المندوب الروسي في مجلس الأمن الدولي، لم يتخذ موقفاً مخالفاً لنظرائه، حين أصدر هذا المجلس بياناً صريحاً يُدين فيه العملية الانقلابية، مع أنه كان قادراً على منع ذلك باستخدام حق النقض «الفيتو». إلا أن هناك أسباباً وجيهة يطرحها الذين يتهمون القيادة الروسية بتدبير العملية الانقلابية.

أول الأسباب التي تدعم ذلك، تصريحات قائد فاغنر نفسه، بأن مجموعته هي التي دبرت الانقلاب العسكري بالنيجر. والسبب الآخر، هو أن التظاهرات المؤيدة للانقلاب، التي خرجت في العاصمة نيامي، والمدن النيجرية الأخرى، هتفت لروسيا ورفعت أعلامها، بما يعني تماهي الانقلابيين مع السياسة الروسية. وربما عزز من بروز علامات الاستفهام، الاهتمام الروسي بالقارة السمراء، وتزامن الانقلاب، مع انعقاد مؤتمر في سانت بطرسبورغ جمع القادة الأفارقة مع القيادة الروسية.

وليس من شك في أن تراجع النفوذ الفرنسي والأمريكي، في النيجر، سيصب في خدمة غرمائهما في روسيا والصين. وهو تراجع بات بحكم المؤكد، بعد أن أعلن الانقلابيون عزمهم على حرمان فرنسا من أي تواجد عسكري في بلادهم. وقد جاء ذلك متوازياً مع فض الشراكة الأمريكية النيجرية. والخلاصة أننا أمام وجه آخر، من وجوه الصراع المحتدم بين الشرق والغرب، الذي أشرنا إلى أنه مقدمات انبثاق النظام الدولي الجديد، وأن ما جرى في النيجر ليس مجرد انقلاب.