آخر تحديث: 30 / 5 / 2024م - 11:19 ص

أمةٌ لا تدخر أمةٌ لا تستثمر «4»

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال الاقتصادية

للسلوك الادخاري ارتباط بمستوى دخل الفرد أو الأسرة، وله كذلك ارتباط بالوعي الانفاقي للشخص، فقد تقوده رغباته بما يتجاوز امكانياته، فيكون مَديناً، وقد يبقى كذلك لسنوات غير قادرٍ على الخلاص من ملاحقات الدائنين وتعاظم فوائد القروض يوماً بعد يوم. ولا شك أن أصحاب الدخل المنخفض أو المصروفات العالية بسبب كثرة الالتزامات نتيجة إما لضخامة الأسرة بالنسبة للدخل أو بسبب الإنفاق غير المنضبط، يعانون من قصور الدخل عن مصاريفهم مما يجعلهم يعيشون تحت وطأة الديون لمدى مزمن. هذا واقع تعايشه شرائح من سكان العالم، فما الحل المجرب له؟ الاقتصاد في المصاريف والسعي لتحسين الدخل. وهذه ممارسة تتوارثها الأجيال، ومن أشهر المقولات“التدبير نصف المعيشة”، والأمثلة كثيرة فما الذي يدفع شاب أن يتخلى عن جلسته مع زوجته وأهله وعن قضاء وقت في الاستراحة مع الربع والذهاب لعمل ثاني في المساء في مؤسسة أو مطعم أو“يكد”في“أوبر”أو“بولّت”إلا أنه يسعى لتحسين دخله ليحقق استقلاله المالي، في حين أن أقراناً له يملؤون الدنيا شكوى!

وهكذا، فالادخار يتطلب أن يقوم الشخص - عن سابق إصرار - بتجنيب جزء من دخله، والحرص على الصرف على قدر الإمكانات المتاحة لديه، والإيفاء بالضرورات ثم الكماليات. وهذا أمر يتطلب تخطيطاً، ومع التخطيط يتطلب ترتيباً للأولويات، هذا التخطيط يمكن أسراً أن تعيش بدخلٍ محدود عيشةً مستقرة مالياً، بينما لا تعيش أسرٌ لديها أضعاف الدخل بشكل مستقر، نتيجة لعشوائية الصرف؛ فعدم تنظيم الصرف يتسبب في مصاعب حقيقية لأي شخص، مهما كان دخله، إذ يؤدي - بطريقة أو أخرى - إلى تبديد المال.

وتجنباً للتنظير، لنأخذ مثالاً حياتياً؛ رب الأسرة يعرف مواعيد الصرف المكثف والمتعلقة بمناسبات مثل شهر رمضان وعيدي الفطر والأضحى، وموسم العودة إلى المدارس، ولكن هناك من يصرف على مدار العام بنهج واحد دون تحسبٍ للمتطلبات الموسمية والمصاريف الطارئة، مما يجعله في وضع يتعذر معه الوفاء بكثير من الالتزامات في الأشهر التي تشهد مناسبات متلاحقة.

الوثيقة الأساسية التي يُعتمد عليها للتعرف على مؤشرات الادخار في المملكة، هي“مسح إحصاءات دخل، وإنفاق الأسرة”، الذي تجريه الهيئة العامة للإحصاء كل خمس سنوات، وقد نشرت نتائج المسح الأخير في العام 2018م، وحالياً تجمع الهيئة البيانات، ومن المتوقع أن تنشر النتائج منتصف العام القادم «2024»، وقد كشف مسح العام 2018 عن اتجاه تنازلي في مدخرات الأسر في المملكة، حيث أن الزيادة في الاستهلاك الشهري خلال السنوات العشر الماضية تفوق بكثير الزيادة في الدخل. ووفقاً للتقرير فقد ارتفع متوسط الدخل الشهري للأسرة بنسبة 5,3 بالمائة من 3749 دولاراً أمريكياً إلى 3946 دولاراً أمريكياً خلال الفترة 2007-2018. وفي الوقت نفسه، نما متوسط الاستهلاك الشهري من 2801 دولاراً أمريكياً إلى 3882 دولاراً أمريكياً، بزيادة كبيرة بلغت 38,6 بالمائة.

واعتباراً من العام 2018، قُدِر معدل ادخار الأسر في المملكة على أنه 1,6بالمائة، وهو معدل منخفض مقارنة بالمتوسط العالمي «25,9 بالمائة»، وبين دول مجموعة العشرين «25,2 بالمئة»، وكذلك ضمن دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «22,1 بالمائة». ولبيان الفجوة في ادخار الأسر في السعودية، فإن المعيار العالمي هو 10 بالمئة، ويعتبر الحد الأدنى الضروري لتحقيق الاستقلال المالي.

لم تهمل رؤية المملكة 2030 الالتفات إلى حقيقة أن معدل الادخار الأسري في السعودية متدني، فكان تعزيز وتمكين التخطيط المالي أحد مرتكزات برنامج تطوير القطاع المالي، أحد برامج تحقيق الرؤية الذي أطلق في العام 2017. وتسعى هذه الركيزة لتحقيق أربعة أهداف: «1» تحفيز ودعم الطلب المستدام على خطط الادخار، «2» الدفع باتجاه التوسع في منتجات الادخار والقنوات المتاحة في السوق، «3» تحسين منظومة الادخار وتعزيزها، «4» تعزيز الثقافة المالية، وذلك من خلال مبادرة محورية:“إنشاء كيان وطني للادخار «منتجات ادخارية مدعومة من الحكومة» ”، والتي من المتوقع أن يكون أثرها زيادة عدد منتجات الادخار المطروحة في السوق، وزيادة إجمالي المدخرات من قبل الأسر، وتسهيل الوصول إلى منتجات الادخار عبر تطوير واجهة رقمية سلسة.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى