آخر تحديث: 18 / 7 / 2024م - 10:07 م

تحولات كبرى فوق رقعة الشطرنج

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

الحرب التي تدور رحاها الآن على الأراضي الأوكرانية، والتي مضى عليها قرابة سبعة عشر شهراً، هي من أشرس الحروب، التي مرت بالقارة الأوروبية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وهي حرب وإن كانت تجري بين روسيا وأوكرانيا، ولكن نتائجها ستؤثر حتماً في القارة الأوروبية، وعلى العالم بأسره. وستكون تلك النتائج معبراً رئيسياً يتشكل من خلاله النظام العالمي المرتقب.

هذه الرؤية للحرب ولنتائجها هي ما تفسر الموقف الغربي منها، والدعم العسكري اللامحدود، الذي تجاوز كل ما هو متصور، الذي تقدمه لأوكرانيا، وقد شمل أسلحة غير تقليدية، ومحرّمة دولياً، كالقنابل العنقودية والأسلحة الكيماوية.

باتت أوكرانيا، من وجهة نظر كثير من المحللين السياسيين والعسكريين بالغرب، تخوض حرباً بالوكالة. وهذه القناعة مترسخة بشكل كبير لدى صناع القرار الأوكرانيين أنفسهم، وعلى رأسهم الرئيس فلوديمير زيلنيسكي، الذي باتت لغته في المطالبة اليومية بالمزيد من الأسلحة مبعث إزعاج للقادة الأوروبيين، بحيث تم وصف بعض تصريحاته التي تتهم الغرب بالتقصير في دعمه لآلته العسكرية بالوقحة.

روسيا من جانبها، تؤكد أن تمادي الغرب في تقديم الدعم العسكري اللامحدود لأوكراينا، لن يؤثر في العملية العسكرية الخاصة التي تقودها، بما في ذلك طائرات F16 والصواريخ بعيدة المدى وأحدث الدبابات والمدافع، والقنابل العنقودية، وأنها قادرة على احتوائها وتدميرها. ولا يتردد الرئيس بوتين، عن التذكير أن بلاده تملك ترسانة نووية، هي الأكبر عالمياً، وأنها لن تسمح مطلقاً بإلحاق الهزيمة بجيشها من قبل كائن من كان.

وبالقدر الذي تتماهى فيه سياسات أمريكا وأوروبا القديمة، والأوروبيون الجدد، مع سياسات أوكرانيا، فإن روسيا ليست وحدها. فالصين تقف في الخندق المؤيد لها ضد سياسات الغرب، وإن كان إفصاحها عن ذلك يتم بشكل رصين. وإلى جانب روسيا شركاء في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. بل وهناك ضمن حلفاء الغرب من يمسكون العصا من المنتصف، تجاه هذا الصراع، كتركيا وهنغاريا.

عربياً، فإنه رغم العلاقات الاستراتيجية لعدد من الدول العربية بالغرب، اتخذ القادة العرب، موقفاً متوازناً، نأى عن تقديم التأييد غير المشروط للسياسة الغربية في هذه الحرب. واحتفظت معظم الدول الخليجية بعلاقات حسنة مع روسيا والصين، مع تأكيد رغبتها في الاستمرار بعلاقاتها الاستراتيجية مع الدول الأوروبية وأمريكا، في استعادة رائدة ومطلوبة في زمن الجنون، لروح الحياد الإيجابي وعدم الانحياز.

هناك بلدان عربية، تجاهر بتأييدها لروسيا، وهذه البلدان تحتفظ بصداقة قوية وعلاقة تاريخية ومستمرة بروسيا، منذ زمن الاتحاد السوفييتي. وتأتي مواقفها الراهنة ضمن سياق موضوعي ومفهوم.

ستستمر ماكينة الحرب، والأرجح أن يتواصل التصعيد خلال الشهور القادمة، إلى أن تنتهي دورة الرئيس الأمريكي جو بايدن الرئاسية. وبعدها يتم التوصل إلى تسويات تجعل العالم يتنفس الصعداء. وأول من سيكسبون من انتهاء الحرب، هم الأوروبيون، فقد عانوا بالعام الماضي، من شتاء قارس، فرضته عليهم العقوبات، التي فرضوها على روسيا، مؤدية إلى حرمانهم من الغاز الروسي، وبالتالي مواجهة أقدارهم مع فصل الشتاء.

بتقديري أن العالم، والأوروبيين بشكل خاص، لن يتحملوا استمرار العقوبات على روسيا، لأنها تلحق الأذى بهم، بقدر ما تلحقه بغريمهم. وعلى الأكثر ستنتهي الحرب، دون تسوية للأزمة، وربما يقبل الغرب، بحل مماثل لذلك الذي قبلوه عام 2014، واتفاقية مينسك، التي أقرت ضمنياً بالمكاسب الروسية. وهناك حديث في الغرب، عن قبول فكرة قيام دولتين على الأرض الأوكرانية، على الطريقة الألمانية قبل نهاية الحرب الباردة، دولة أوكرانية في الشرق، وأخرى في الغرب.

وإذا ما قبل الغرب بخطوة كهذه، فإن ذلك يعني أن روسيا تقدمت خطوة أخرى، نحو تتويجها قطباً عالمياً مضاهياً في حضوره الدولي لغريمه الأمريكي، لتشكل عالماً دولياً جديداً، ثلاثي الأضلاع، يضم كلاً من الولايات المتحدة وروسيا والصين. وإذا ما عكس ذلك نفسه، على النظام الدولي الجديد، فإنه لا مناص من مراجعة لطريقة عمل المؤسسات الناظمة للعلاقات الدولية، وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة، ولتخلّي بريطانيا وفرنسا موقعيهما، كعضوين دائمين في مجلس الأمن، لتحل محلّهما قوى صاعدة أخرى، أو ليعاد تشكيل المؤسسة على قواعد جديدة، تعكس الحقائق الشاملة للقوة الراهنة، عسكرياً واقتصادياً وسياسياً وثقلاً بشرياً. وذلك ما عبّرنا عنه في عنوان هذا الحديث بالتحولات الكبرى.

المعضلة التي عانتها البشرية باستمرار، أن أقصر الطرق للتسويات الكبرى هي الدماء الغزيرة، فعسى أن تكون التسويات القادمة برداً وسلاماً على البشرية جمعاء.