آخر تحديث: 12 / 4 / 2024م - 2:28 م

عصيان قوات «فاغنر» والمآلات

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

سيتذكر الروس بشكل خاص، ومعهم العالم بأسره، يوم 24 يونيو/ حزيران من هذا العام، باعتباره اليوم، الذي أعلنت فيه قوات فاغنر الروسية عصيانها وتمردها على وزارة الدفاع، وتبنّيها لقلب نظام الرئيس فلاديمير بوتين.

ففي وقت مبكر من صباح ذلك اليوم، أعلن قائد فاغنر يفغيني بريغوجين عن قيام مجموعة عسكرية خاصة بقصف معسكرات فاغنر، وقتلت عدداً كبيراً من القوات التابعة له. وتبعه خطاب أعلن فيه أنه وقواته سيقاتلون حتى آخر رجل دفاعاً عن شرفهم وكرامتهم. وبذلك بدأت صفحة أخرى جديدة، في المواجهة العسكرية الروسية، تضاف إلى العملية العسكرية الخاصة التي أطلقتها روسيا ضد أوكرانيا، قبل ستة عشر شهراً.

ولتذكير القارئ، نشير إلى أن قوات فاغنر ظهرت لأول مرة في مارس «آذار» 2014، حين أقدمت روسيا الاتحادية، على ضمّ شبه جزيرة القرم لأراضيها. وقد أعلنت عن نفسها بأنها منظمة روسية شبه عسكرية، تم وصفها من قبل البعض، بأنها شركة عسكرية خاصة، تستمد استمراريتها من العقود التي تجريها مع الحكومة الروسية، لتنفيذ عمليات عسكرية، لصالح روسيا، داخل وخارج أراضيها. وهي بذلك تشبه منظمة «بلاك ووتر» الأمريكية، التي أنيط لها لعب أدوار عسكرية عديدة، في العراق، بعد احتلاله عام 2003.

تذكرنا هذه المجموعات، بقوات المرتزقة الأوروبيين الذين تم استخدامهم، من قبل الغرب في عدد من المهمات المشبوهة، في القارات الثلاث، آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. وكان الحضور الأبرز للمرتزقة في القارة السوداء، والهدف هو القضاء على حركات التحرر الوطني، وإسقاط الأنظمة الوطنية. وقد استخدمتهم بلجيكا في احتلالها لكونغو، وكان لهم دور كبير في مصرع القائد الوطني الإفريقي باتريس لومومبا.

نفذت قوات «فاغنر» العديد من المهام الرئيسية، في العملية العسكرية الخاصة، التي أطلقتها روسيا في أوكرانيا. وكان لها باع كبيرة، بشكل خاص، في المعارك التي دارت مؤخراً في باخموت. وفي هذه المعركة بالذات، بدأت مؤشرات الخلاف بين قائد هذه المجموعة وقيادة الجيش الروسي، حيث أخذت تصريحاته في التصاعد، بشكل يومي، متهماً وزارة الدفاع بالتقصير، في إمداده بالأسلحة المطلوبة، لاستمرار القتال، وأن هذا التقصير، قد تسبب في مصرع المئات من أفراد قواته. وانتهى به الأمر، في الأيام الأخيرة إلى إعلان العصيان.

رغم أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قد لزم الصمت، تجاه التصريحات المتكررة لزعيم فاغنر، التي اتهم فيها وزارة الدفاع بالتقصير، لكنه مع إعلان العصيان، خرج مباشرة، بخطاب، اتهم فيه فاغنر بالخيانة، وأن أي أفعال تمزق وحدة الروسيين، هي طعنة في ظهر البلاد والشعب، خاصة وأن روسيا في حالة حرب وجودية بأوكرانيا. وناشد هذه القوات، بوقف التمرد والعودة إلى الوطن.

لا يشكل عصيان فاغنر، بمفرده تهديداً حقيقياً، للحكومة الروسية، ولا للجيش الروسي. فتعداد أفراده لا يتجاوز الخمسة والعشرين ألف فرد. وهذا الرقم يعتبر ضئيلاً جداً، حين يقارن بالقوة العسكرية الروسية. وبإمكان روسيا التصدي له والقضاء المبرم عليه، بقوتها الضاربة. ولكن الخشية هي من إمكانية وجود طابور خامس في الداخل، يمكنه استثمار العصيان، لصالحه.

يضاف إلى ذلك، أن هذا التمرد، يمكن أن يرفع من معنويات الجيش الأوكراني، فيستغل انشغال القوات الروسية بقمع عصيان فاغنر، للعودة إلى مناطق انسحب منها في وقت سابق، وبشكل خاص في باخموت، التي غادرتها قوات فاغنر.

الجيش الروسي، من جانبه، أكد أن هذا العصيان، لن يكون له أثر فعل سلبي على العملية العسكرية الخاصة بأوكرانيا. ولتأكيد ذلك، نفذت القوات الروسية، ضربات واسعة على العاصمة كييف، في صبيحة اليوم، الذي أعلن فيه عصيان قوات فاغنر. والخشية مقصورة على الارتدادات النفسية في صفوف المقاتلين الروس، جراء خروج رفاق السلاح من المعركة وإعلانهم العصيان.

ستستغل ماكينة الإعلام الغربي، المعادية لروسيا، هذا الحدث، للتهويل من تأثيراته، على العملية العسكرية الخاصة التي تجريها روسيا في أوكرانيا. لكن احتمالات تقديم أي مساعدة غربية للعصاة فاغنر، تبدو، بعيدة، وغير واردة، بالمدى المنظور، نظراً للدور الرئيسي الذي لعبته في محاربة القوات الأوكرانية، ونعتها من قبل الغرب بالإرهاب.

لكن رئيس بيلاروسيا لوكاشينكو نجح بالاتفاق مع الرئيس الروسي بوتين في وضع حد للتمّرد، وبذلك عادت الأمور إلى طبيعتها، ونجت روسيا من أسوأ مرحلة كان يمكن أن تواجهها فيما هي تخوض حربها ضد الدول الغربية مجتمعة في أوكرانيا.