آخر تحديث: 12 / 4 / 2024م - 8:30 ص

من مخلفات الاحتلال إلى تركة الاستبداد

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

الحرب العبثية الدائرة في السودان، دخلت أسبوعها الثاني، ولا تزال حدتها تزداد ضراوة، وتسبّبت حتى هذه اللحظة، في حصد مئات الأرواح، والآلاف من الجرحى، ونتج عنها انهيار الخدمات الصحية، وعطلت الحياة اليومية والمؤسسات الحكومية، وليس هناك ما يشي بقرب نهايتها. فجميع المحاولات التي جرت من قبل الوسطاء لعقد هدنة بين المتحاربين، باءت بالفشل. وكل طرف من المتحاربين، يوجه الاتهام للطرف الآخر، بأنه سبب فشل الهدنة. وجميع المؤشرات المتوفرة، تؤكد أن فترة القتال ستظل مفتوحة، حتى إشعار آخر. وكلما استمرّت الحرب، تعطلت مصالح الناس، وازدادت معاناة الشعب السوداني الشقيق، الذي لا ناقة له ولا جمل في هذه الحرب.

الواقع الميداني، يشير إلى استحالة تحقيق أي طرف من المتحاربين نصراً حاسماً فيها، بالمدى المنظور، رغم التسليم بتفوق الآلة العسكرية الخاصة بالقوات المسلحة التي يقودها البرهان، مدعومة بالسلاح الجوي. لكن الطرف الآخر «قوات التدخل السريع» التي يقودها حميدتي، تملك سرعة أكثر على الحركة، وقدرة على المناورة، بحكم وظيفتها كقوة تدخل سريع، كما تملك قوة لا يستهان بها، قوامها قرابة مئة ألف مقاتل، بالإضافة إلى تجربة قتالية واسعة أثناء أزمة دارفور.

في هذا السياق، إن قدرة أي طرف على الحسم، وتحقيق النصر، تكاد تكون معدومة، ما يعني أن المعارك ستظل مفتوحة إلى حين توافر عناصر جديدة، قادرة على فرض وقف إطلاق النار، وهذه القوى ستكون خارجية على الأغلب. ومثل ذلك لن يتحقق إلا بتوافر أجندات ومصالح خاصة لتلك القوى تدفعها للتدخل وفرض وقف إطلاق النار، وذلك ما لا يلوح في الأفق حتى هذه اللحظة.

لماذا وصلت الأزمة بين الفرقاء المتخاصمين، إلى حالة الحرب؟ ذلك هو محور هذا الحديث. الفرقاء المتخاصمون، هم نتاج مرحلة من حكم استبدادي، استمر ثلاثين عاماً، متلفعاً بالإسلام، وفارضاً نمطاً فريداً من الحكم، مستنداً على الفساد، وتمزيق وحدة الشعب، والدخول في حروب داخلية، شملت جنوب السودان وشرقه وغربه.

لجم الحكم السابق، أصوات المعارضة، وقام بتجريف سياسي في بلد يعتدّ بعراقة أحزابه السياسية، تقليدية ومدنية. وقد عمل خلال الثلاثين عاماً، على تغيير البنية العسكرية للسودان، من خلال الأسلمة السياسية للقوات المسلحة، واعتماد نهج الولاء بالترقيات بديلاً عن الكفاءة. ولم تسلم جميع المؤسسات العسكرية من هذه السياسة.

وعندما يحاصر النظام السياسي بالخوف، نتيجة لبعد المسافة بين الحاكم وشعبه، يعتمد سياسة التفتيت، ولا يتورع عن خلق الصراعات والفتن بين أبناء الشعب الواحد، بما في ذلك أفراد المؤسسة العسكرية ذاتها، التي يفترض أن تقتصر مهامها على حماية الوطن، من أي عدوان خارجي، وضمان وحدة البلاد وأمنها واستقرارها. وفي هذا الاتجاه، تتعدد المسميات والمحاور. وتؤسس قطاعات الجيش على أساس التنافس والعداوة لا التكامل.

كان بالإمكان، على سبيل المثال، تكليف المؤسسة العسكرية، بمعالجة الأوضاع في دارفور، لكن نظام البشير، آثر أن يوكل الأمر، لقوات التدخل السريع، التي بنيت على أساس مناطقي وقبلي. وحين أنجزت قوات التدخل السريع مهمتها في دارفور، لم يجرِ دمجها بالجيش السوداني، ولم يكن ذلك اعتباطاً أو إهمالاً، بل كان ضمن مخطط مدروس، قوامه الخشية من تمرد عسكري شامل على الحكم. وأن يستغل حالة التنافس بين عناصر ومسميات القوات المسلحة، للحيلولة دون تحقيق الوئام والتجانس فيما بينها، وبما يهدد وجود النظام ذاته.

خلاصة القول، أن ما يشهده السودان الشقيق هذه الأيام من احتراب بين القوات المسلحة، وقوات التدخل السريع، هو من تركة نظام الاستبداد الذي جثم على صدر الشعب السوداني ثلاثين عاماً. وأن هذه الحرب سوف تتواصل، إلى أن يحتكم المتحاربون لصوت الضمير والعقل، أو إلى حين يتمكن الشعب السوداني من الإمساك بزمام مقاديره وفرض إرادته.

إن تسليم الحكم للمدنيين، وعودة الحياة السياسية، والمؤسسات التشريعية واحترام مبادئ الدستور، وعودة جميع التشكيلات العسكرية إلى ثكناتها، هي التي تتكفل بوضع حد للصراعات بين القوى المتحاربة، وتعيد للسودان حريته وأمنه واستقراره.